*
السبت: 17 أكتوبر 2026
  • 17 أكتوبر 2026
  • 11:36
الوقف ثروةٌ نائمة تنتظر من يوقظها
الكاتب: الدكتور زيد احمد المحيسن

ليس الوقف مالاً يُحبس، ولا عقاراً تُقيَّد ملكيته، بل هو فكرةٌ نبيلة اختارت أن تمنح الحياة أكثر مما تأخذ منها، وأن تجعل من العطاء جسراً يصل بين حاجة الإنسان وكرامته، وبين خير الحاضر وأمل المستقبل.
في تاريخ الحضارة الإسلامية، لم يكن الوقف هامشاً في حياة المجتمع، بل كان أحد أعمدته الراسخة؛ منه أُضيئت منابر العلم، وفُتحت أبواب العلاج، وامتدت يد الرعاية إلى الفقراء والأيتام، ووُجد للمحتاجين سندٌ يحفظ كرامتهم ويخفف عنهم قسوة الحياة.
واليوم، ونحن نواجه تحديات الفقر والبطالة واتساع الفجوات الاجتماعية، يعود السؤال ملحّاً: كيف نستعيد للوقف دوره الحضاري، ونحرّره من ضيق المفهوم التقليدي إلى رحابة التنمية الشاملة؟
إن الوقف، إذا أُحسن توظيفه، ليس مجرد ريعٍ ينتظر مستفيديه، بل ثروة قادرة على صناعة الفرص؛ يمول مشروعاً صغيراً، ويفتح باب رزق لشاب، ويسند طالب علم، ويوفر العلاج لمريض، ويمنح أسرةً فقيرة فرصة للانتقال من الحاجة إلى الاكتفاء.
ولا ينبغي أن تبقى مجالات الوقف محصورة في صورها المألوفة؛ فالتعليم والصحة والبحث العلمي ورعاية الطفولة وكبار السن وحماية البيئة، بل وصون الحدائق والمساحات الخضراء، كلها ميادين تتجلى فيها رسالة الوقف، وتستعيد فيها قيمة العطاء معناها الإنساني الواسع.
غير أن النوايا الطيبة، مهما سمت، لا تكفي وحدها لصناعة التنمية. فلا بد من إدارة كفؤة، وتشريعات مواكبة، وشفافية تصون الثقة، واستثمارات مدروسة تحوّل الموارد الوقفية إلى مشروعات منتجة، وتضمن أن تصل ثمارها إلى مستحقيها.
والوقف ليس بديلاً عن مسؤولية الدولة، ولا عبئاً إضافياً على المجتمع؛ إنه شريك في التنمية، ورافدٌ للجهود الوطنية، ومساحة تلتقي فيها المبادرة الفردية مع المسؤولية المؤسسية، ويتكامل فيها القطاعان العام والخاص مع مؤسسات المجتمع المدني.
إن التنمية الحقيقية ليست أرقاماً تتصاعد في التقارير، بل إنسانٌ يجد عملاً، وطفلٌ يتعلم، ومريضٌ يتعافى، وأسرةٌ تعيش بكرامة، وشابٌ يرى في المستقبل فرصةً لا جداراً مسدوداً.
وحين يستعيد الوقف رسالته، ويجتمع الإخلاص مع العلم، والعطاء مع التخطيط، تتحول الأوقاف من ذاكرةٍ مضيئة للماضي إلى قوةٍ فاعلة في الحاضر، ومن موردٍ محدود الأثر إلى مشروع حضاري يصنع المستقبل.
فالوقف ثروةٌ نائمة، لا ينقصها الخير بقدر ما تحتاج إلى رؤيةٍ توقظ إمكاناتها؛ وحين نستثمرها بحكمة، لا نُحيي أموالاً فحسب، بل نزرع الأمل، ونصون الكرامة، ونفتح للأجيال أبواباً أوسع للحياة والتنمية..
ملاحظة : هذا المقال مستوحاه ندوة الوقف واثره في الحد من الفقر والبطالة ودوره في التنمية المستدامة الذي عقدها المنتدى العالمي للوسطية  في مقره يوم الاربعاء 14-10-2026 .

مواضيع قد تعجبك