ليست قضية الحجاب في أذربيجان مجرد خلاف على الزي المدرسي، ولا تفصيلًا عابرًا في النقاش حول علاقة الدين بالدولة؛ إنها قضية تمس جوهر الحرية الإنسانية، وحدود سلطة الدولة، وحق المرأة في أن تتعلم من دون أن تُجبر على التخلي عن قناعاتها. فعندما تجد فتاة نفسها أمام خيار بين ارتداء ما تؤمن به والجلوس على مقعد الدراسة، يصبح السؤال أكبر من قطعة قماش: هل يُفترض أن يكون التعليم حقًا للجميع، أم امتيازًا مشروطًا بمظهر يرضي السلطة؟
ما الذي حدث في أذربيجان؟
أفادت تقارير صحفية نُشرت في أكتوبر/تشرين الأول 2026 بأن قواعد جديدة للزي المدرسي، أُقرت في سبتمبر/أيلول، منعت دخول بعض الطالبات والمعلمات المحجبات إلى مدارس، رغم أن النصوص المتداولة لم تذكر الحجاب بالاسم، بل تحدثت عن ملابس لا تنسجم مع مبدأ علمانية التعليم. وأثار تطبيق القواعد احتجاجات واعتقالات على خلفية اضطرابات مرتبطة بالاحتجاجات، وفق تقارير إعلامية ومنظمة العفو الدولية.
وفي بيان نشرته منظمة العفو الدولية في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2026، قالت المنظمة إن حرمان الفتيات من دخول الصفوف بسبب الحجاب تمييزي وينتهك حقوق التعليم وحرية الدين والتعبير، ودعت السلطات إلى التراجع عن القيود وضمان عودة الطالبات والمعلمات المتضررات إلى المدارس. ومن المهم هنا التمييز بين ما ينص عليه القرار رسميًا وما أُبلغ عن تطبيقه ميدانيًا؛ فهذه الدقة ضرورية لأي نقاش حقوقي جاد.
العلمانية لا تعني محو المعتقد
تستند السلطات الأذربيجانية إلى مبدأ علمانية التعليم في تبرير قواعد الزي. لكن العلمانية لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لفرض التخلي عن المعتقد، كما لا يعني احترام حرية الدين فرض الممارسة الدينية على الآخرين. المطلوب هو التوفيق بين الحقوق، لا التضحية بحق أساسي لصالح تفسير واحد للحياد.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة لأن دستور أذربيجان نفسه يجمع بين تعريف الدولة بوصفها دولة علمانية وضمان حقوق أساسية ذات صلة. فالمادة 25 تقرر المساواة وتحظر التمييز على أسس منها الدين والمعتقد، والمادة 42 تكفل الحق في التعليم وتضمن التعليم الثانوي المجاني والإلزامي، فيما تنص المادة 48 على حرية الضمير وحق الفرد في اعتناق الدين أو عدم اعتناقه والتعبير عن معتقده. لذلك لا يكفي الاستناد إلى علمانية الدولة وحدها؛ بل ينبغي تقييم القيود في ضوء مجمل الضمانات الدستورية.
لا يعني ذلك أن كل تنظيم للزي المدرسي يشكل تلقائيًا انتهاكًا. لكن عندما يؤدي تطبيق قاعدة عامة إلى استبعاد طالبات من الفصول بسبب لباس ديني، يصبح على السلطات أن تشرح الهدف المشروع من القيد، وضرورته وتناسبه، وما إذا كانت توجد بدائل أقل مساسًا بالحقوق.
الحجاب بين التاريخ والهوية وحق الاختيار
ارتبط الحجاب لدى كثير من المسلمات بفهمهن للنصوص الدينية وباختياراتهن الروحية والهوية الثقافية، مع اختلاف المجتمعات والأفراد في تفسير الدين وممارساته. ولا يصح اختزال النساء المسلمات في صورة واحدة، كما لا يصح افتراض أن كل محجبة تتبنى التجربة نفسها أو أن كل امرأة غير محجبة أقل تمسكًا بدينها أو ثقافتها.
وتحمل أذربيجان تاريخًا معقدًا من التفاعل بين الحضارات والثقافات، كما تأثرت خلال الحقبة السوفياتية بسياسات قيّدت الممارسات الدينية. وبعد الاستقلال، بقي التحدي قائمًا في كيفية بناء مؤسسات حديثة تحترم الطبيعة العلمانية للدولة، من دون إقصاء مواطنين بسبب تعبيرهم عن معتقداتهم.
وفي التراث الإسلامي، يحتل العلم مكانة مركزية؛ فالقرآن يسأل: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ» (الزمر: 9). كما برزت نساء مسلمات في نقل المعرفة والفقه والرواية، وفي مقدمتهن عائشة بنت أبي بكر. واستحضار هذا الإرث لا يعني فرض تصور ديني على غير المتدينين، بل التأكيد أن التزام المرأة بالحجاب لا ينبغي أن يكون حاجزًا أمام معرفتها أو مشاركتها في الحياة العامة.
ازدواجية المعايير في بعض الخطابات النسوية
تطرح القضية سؤالًا على المنظمات التي تتصدر الدفاع عن حقوق المرأة: هل الحرية حق ثابت لكل امرأة، أم أنها تُمنح فقط عندما تتوافق خياراتها مع تصورات الآخرين؟ لقد حققت الحركات النسوية إنجازات مهمة في الدفاع عن التعليم والعمل والمساواة، لكن مصداقية أي خطاب حقوقي تتراجع عندما يتجاهل التمييز ضد النساء بسبب لباسهن الديني، أو يفترض أن المرأة المحجبة لا تستطيع اتخاذ قرار مستقل.
ومع ذلك، سيكون من غير الدقيق اتهام جميع المنظمات النسوية أو الحقوقية بالصمت؛ فقد انتقدت منظمات حقوقية، بينها منظمة العفو الدولية، القيود في أذربيجان بوضوح. النقد الأجدى هو توجيه المساءلة إلى الجهات التي تتبنى مواقف انتقائية، والمطالبة باتساق المبدأ في كل مكان.
فالمرأة التي تختار عدم ارتداء الحجاب تستحق الحماية من الإكراه، والمرأة التي تختار ارتداءه تستحق الحماية من الإكراه أيضًا. والحرية لا تتحقق باستبدال سلطة اجتماعية بسلطة رسمية، ولا بجعل نموذج ثقافي واحد معيارًا لاستحقاق التعليم والعمل والمشاركة العامة.
المعيار الحقوقي: حرية الدين والحق في التعليم
ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته 18 على حرية الفكر والوجدان والدين، بما يشمل إظهار الدين أو المعتقد، كما تقرر المادة 26 الحق في التعليم. وتنص المادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حرية إظهار الدين أو المعتقد في الممارسة والتعليم والشعائر، مع السماح بقيود محددة يجيزها القانون وتكون ضرورية لحماية السلامة أو النظام العام أو الصحة أو الآداب أو الحقوق والحريات الأساسية للآخرين. ويؤكد العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الحق في التعليم ومبدأ إتاحته من دون تمييز.
لذلك، فالتقييم القانوني لا يقوم على القول إن كل قاعدة للزي مخالفة للقانون، ولا على التسليم بأن وصف التعليم بأنه علماني يحسم المسألة. بل يتطلب النظر في أثر القيد، وأساسه القانوني، وضرورته وتناسبه، وما إذا كان يُطبق بصورة تمييزية. وعندما يكون الأثر الفعلي هو منع طالبة من التعليم بسبب الحجاب، فإن ذلك يستدعي مراجعة قانونية مستقلة وسبلًا فعالة للإنصاف.
ماذا يستطيع العرب والمسلمون أن يفعلوا؟
لا ينبغي أن يتوقف التضامن مع الطالبات المتضررات عند بيانات الاستنكار. تستطيع الجامعات والمؤسسات التعليمية العربية والإسلامية دراسة تقديم منح دراسية وفرص تبادل أكاديمي للطالبات اللاتي يتعذر عليهن استكمال تعليمهن، وفق معايير معلنة وعادلة، مع عدم اعتبار هذه المبادرات بديلًا عن حقهن في العودة إلى مدارسهن.
كما يمكن للمنظمات الحقوقية بناء شراكات مع مؤسسات دولية مستقلة لتوثيق حالات الحرمان من التعليم، وتوفير الإرشاد القانوني ومتابعة الشكاوى، مع احترام خصوصية الطالبات وعدم تعريضهن لمخاطر إضافية. وعلى الإعلام العربي أن يتجاوز التغطية العابرة إلى تقارير معمقة تستمع إلى الطالبات والمعلمات والأسر، وتشرح النصوص الرسمية وآثار تطبيقها، وتفرق بين الوقائع المؤكدة والادعاءات التي لا تزال بحاجة إلى تحقق.
أما المؤسسات الدينية، فبوسعها تقديم خطاب متزن يربط بين قيمة العلم وكرامة الإنسان وحرية المعتقد، من دون تحويل القضية إلى أداة للاستقطاب أو الإساءة إلى الشعب الأذربيجاني. فالدفاع عن حق المحجبة في التعليم لا يتطلب الانتقاص من غير المحجبات، مثلما أن حماية العلمانية لا تبرر الانتقاص من المتدينات.
خاتمة: الحرية لا تُمنح بشرط التخلي عن الهوية
تكشف قضية الحجاب في أذربيجان عن سؤال يتجاوز حدود هذا البلد: هل نريد فضاءً عامًا يتسع للتنوع، أم فضاءً يفرض على الناس التشابه كي يسمح لهم بالمشاركة؟ لا يتحقق تمكين المرأة بإقصائها من المدرسة، ولا بإجبارها على الاختيار بين معتقدها ومستقبلها.
على السلطات الأذربيجانية مراجعة آثار القواعد الجديدة وضمان ألا يُحرم أي طالب أو طالبة من التعليم بسبب المعتقد أو المظهر الديني، وعلى المنظمات الحقوقية أن تدافع عن الحقوق بمعيار واحد، فيما ينبغي للعرب والمسلمين تحويل التضامن إلى مبادرات تعليمية وقانونية وإعلامية ملموسة.
فالمعركة الحقيقية ليست بين الحجاب والعلمانية، بل بين الإقصاء والعدالة، وبين حرية تُحترم بوصفها حقًا أصيلًا وحرية تُمنح بقرار من السلطة. لا تحتاج المرأة إلى التخلي عن هويتها كي تستحق العلم؛ بل ينبغي أن تستطيع التعلم والعمل والمشاركة في المجتمع من دون إكراه أو تمييز..



