يظن من يرى الرجل يهز الغصن أنه يجمع زيتا.
هو يوقع!
لكل زيتونة في فلسطين صفحة في سجل أخضر، وكل خريف يضع صاحبها توقيعه فيها بيديه.
وأنت تقرأ على المستطيل المضيء، يقف رجل في الضفة تحت شجرة، يده على الغصن وعينه على الطريق. وفي الهواء رائحة ورق الزيتون المجروح.
وهذا الخريف يطارد المستوطنون القاطفين بالحجارة والنار، وتغلق حقول في وجه أصحابها.
وأعلنت الأمم المتحدة في 15 تشرين الأول أن الاعتداءات التي سببت إصابات أو أضرارا قاربت 200، وتجاوزت حصيلة الموسم الماضي كله.
وتختلف العدادات باختلاف الجهة والتعريف، فلكل جهة طريقتها في العد.
وفي السابع من تشرين الأول قتل مزارع في برقة غرب نابلس وهو يقطف الزيتون، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية. ولم يحدد الخبر من أطلق النار.
وفي 16 تشرين الأول أحرق مستوطنون أشجارا وسيارات في أبو فلاح قرب رام الله، وضربوا فلسطينيين بينهم امرأة، بحسب مسؤولين محليين وفرق إسعاف.
والشجرة التي تعمر عقودا شاهد لا يحتاج إلى محام. وفي أبو فلاح صار بعض الشهود رمادا!
وفي غزة، يرفع حيدر أبو مدين، وهو في الستين، غصنا يابسا من شجرة سقطت، ويرميه على تراب كان من أغنى بساتين وسط القطاع.
نحو نصف بستان العائلة صار خلف «الخط الأصفر» الذي تحرسه قوات إسرائيلية، وما بقي منه لم تترك فيه الجرافات سوى قلة من الأشجار.
كان البستان ينتج حتى 900 برميل زيت قبل الحرب، ويتوقع صاحبه هذا الموسم برميلين.
وفي غزة كلها، تقول سلطات الزراعة إن 150 ألف شجرة بقيت من مليوني.
وفي دير البلح يقف الناس بجراكن بلاستيكية أمام حنفية المعصرة ليأخذوا زيتا طازجا. ويقول صاحب المعصرة إن ما يأتيه من الزيتون قياسا بسنوات ما قبل الحرب صفر.
وللسجل الأخضر قارئ آخر، لا يرى في الزيتون شعرا.
يعد قانون الأراضي العثماني لعام 1858، الذي بقيت أحكام منه معمولا بها في الضفة، الأرض الأميرية المتروكة بلا عذر معتبر سنوات متتالية أرضا شاغرة تعود إلى الدولة. وتفاصيل التطبيق تختلف من أرض إلى أرض.
وفي الحديث النبوي: «من أحيا أرضا ميتة فهي له». الزرع في تراثنا يصنع الحق. فماذا يحدث حين يمنع المزارع من أرضه، ثم يصبح غياب الزراعة قرينة في نزاع على حقه؟
ومنذ عام 1979 استندت السلطات الإسرائيلية إلى قراءة متشددة لهذا القانون لإعلان مساحات واسعة من الضفة أراضي دولة، بحسب منظمة «بتسيلم» الإسرائيلية.
وتوقفت تسوية الأراضي وتسجيلها المنتظم عام 1968، فبقيت حقوق كثيرة بلا سند تسجيل نهائي.
وللفلاح جذع عمره عقود، وهذا دفتره حين لا يكون له رقم عقاري. والشجرة شاهد على صلة بالأرض، وللشاهد وزنه حتى حين لا يكون سندا.
وهذا الموسم وقع قائد القيادة الوسطى أوامر الحصاد: نحو 88,300 دونم لا يدخلها أصحابها إلا بتنسيق مسبق مع الجيش، بحسب حركة «السلام الآن». وهي أوسع كثيرا من أوامر الموسم الماضي.
وقال الجيش الإسرائيلي في تشرين الثاني الماضي إن معظم مناطق القطاف لا تتطلب تنسيقا مع قواته، وإن الفلسطينيين مسموح لهم بالقطاف دون تنسيق مسبق.
فمن يحدد المناطق التي يلزمها تنسيق، وما الأساس الذي يستند إليه المنع؟
وفي دير استيا قال رئيس مجلس قروي لصحيفة «تايمز أوف إسرائيل» إن مكتب التنسيق أبلغ الأهالي بأن منطقتين تغلقان إن حضر متطوعون. ولم ترد الإدارة المدنية على أسئلة الصحيفة.
وفي الثالث من تشرين الأول أخرج جنود ومستوطن فلسطينيين من أرض خاصة قرب بيتا جنوب نابلس، وأطلق جندي قنبلة دخان على ناشطين قالوا إنها ليست منطقة تنسيق.
وأكدت الإدارة المدنية للصحيفة أن التنسيق لم يكن مطلوبا في تلك الأرض.
ولا يصل رئيس مجلس قروي في جنوب تلال الخليل إلى أشجاره منذ 7 تشرين الأول 2023. وتقول منظمة «حقل» الحقوقية إنها ساعدت مزارعي قرى المنطقة في التماس إلى المحكمة العليا.
وقال ناشط إسرائيلي يقود مجموعة تساعد مزارعي دير استيا إن المنع بلا أساس قانوني، وإنه لن يمتثل له.
وفي قصة فرنسية خيالية، يختار راع كل مساء حفنة بلوط سليم ويغرسها في اليوم التالي، حتى يتبدل وجه أرض أنهكها الجفاف.
غارس القصة يواجه جفافا. والفلاح الفلسطيني يغرس في وجه الجرافة والأمر العسكري معا.
وفي غزة تحتاج الشجرة الجديدة سنين لتنضج، وكل موسم ضائع يؤجل الحصاد التالي.
وللقارئ ما يفعله: ليحفظ المزارع إيصال معصرته وصورا مؤرخة لشجره الحامل، وليستشر جهة قانونية في أوراق أرضه، فالقطف الذي لا يوثق يسهل نكرانه.
وتصلح صور الأقمار الصناعية المؤرخة شاهدا إضافيا على أرض ظلت تزرع سنة بعد سنة، فللسماء ذاكرة لا تنسى المواسم.
وليوقع جاران على سجل كل بستان باسميهما، فتصير الشجرة مسجلة بشهود من أهلها كما تسجل الأرض بشهود المحكمة.
ومن يعيش بعيدا عن الحقل يشتري زيت موسمه من يد منتجه الفلسطيني متى أمكن التحقق من مصدره، فيصير ثمن الزيت شاهدا آخر.
ويظن من يرى الجرافة أنها تقطع شجرا، وهي تمحو توقيعا، وصاحبه يعود كل خريف ليوقع!



