- من يراقب الإنسان عندما لا يراه أحد؟
السؤال يبدو بسيطًا، لكنه يضعنا أمام اختبار حقيقي: هل نلتزم لأن هناك من يراقبنا، أم لأننا نعرف أن الالتزام هو الصواب؟
هنا تبدأ الرقابة الذاتية.
هي ليست خوفًا، وليست محاولة للنجاة من مخالفة أو عقوبة، وإنما قدرة الإنسان على ضبط سلوكه من الداخل. أن يملك شجاعة قول «لا» لنفسه عندما يستطيع أن يفعل الخطأ دون أن يكتشفه أحد.
وهذا النوع من الرقابة لا يولد فجأة. إنه يبدأ من البيت.
طفل يرى والده يعترف بخطئه يتعلم أن الاعتراف ليس عيبًا. وطفل يرى والدته تحترم دور الآخرين يتعلم أن حقه لا يعني إلغاء حقوق الناس. وابن يشاهد أسرته تحافظ على المكان العام يتعلم أن الشارع امتداد للبيت، لا مساحة بلا صاحب.
لكن العكس صحيح أيضًا.
حين يسمع الطفل كلامًا عن الصدق ويرى الكذب، أو عن النظام ويرى تجاوزه، فإنه يتعلم درسًا آخر: أن الأخلاق شيء نقوله عندما نريد تعليم الآخرين.
وهذه من أخطر الرسائل التي يمكن أن تصل إلى الجيل الجديد.
في المجتمع، تظهر الرقابة الذاتية في أبسط التفاصيل. في طابور الخبز، في الشارع، في المدرسة، في مكان العمل، في استخدام المرافق العامة، وفي التعامل مع الموظف والعامل وكبير السن والطفل.
قد لا يلاحظ أحد أن شخصًا التزم بدوره، لكنه بذلك منع فوضى صغيرة من أن تكبر. وقد لا يصفق أحد لموظف أنجز عمله بإتقان، لكنه حفظ حق مواطن انتظر الخدمة. وقد لا يعرف أحد أن مواطنًا أعاد شيئًا ليس له، لكنه بذلك انتصر على رغبة عابرة في داخله.
المجتمعات لا تتقدم فقط بالمشروعات الكبرى.
أحيانًا تتقدم عندما يقرر آلاف الأشخاص، في آلاف المواقف الصغيرة، أن يفعلوا الصواب دون انتظار أحد.
وهنا لا بد من التأكيد أن الرقابة الذاتية لا تلغي الرقابة المؤسسية. فالقانون ضروري، والمحاسبة ضرورية، والأنظمة ضرورية. لكن أي نظام مهما كان قويًا سيظل محدودًا إذا لم يجد إنسانًا مستعدًا للالتزام به من تلقاء نفسه.
ربما آن الأوان لأن نعيد صياغة سؤال تربيتنا لأبنائنا.
بدل أن نسألهم دائمًا: «هل فعلت لأنني أراقبك؟»، لنسألهم: «هل كنت ستفعل الشيء نفسه لو لم أكن موجودًا؟».
الإجابة عن هذا السؤال تقول الكثير عن التربية، وعن الشخصية، وعن المجتمع الذي نريد أن نعيش فيه.
فالرقابة الحقيقية ليست تلك التي تقف خلف الإنسان.
إنها تلك التي تسكن داخله.



