خبرني - في مكتب صغير في رام الله، يقلب باحث فلسطيني صفحة صفراء من أرشيف الأمم المتحدة. بجانبه مفتاح صدئ لبيت جده قرب صفد، اسودّ نحاسه منذ عقود. المفتاح لا يفتح الصفحة، والصفحة لا تفتح البيت، لكن الاثنين يفتحان السؤال نفسه: ماذا حدث لملف فلسطين حين أغلقت عصبة الأمم أبوابها؟
قبل أيام فقط، وعلى هامش اجتماعات الجمعية العامة الحادية والثمانين في نيويورك، رفضت الولايات المتحدة، للعام الثاني على التوالي، منح الرئيس الفلسطيني محمود عباس تأشيرة دخول لحضور الجلسات شخصيا، فصوّتت الجمعية العامة، بأغلبية 152 صوتا مقابل 3 فقط، على السماح له بمخاطبتها عبر تسجيل مصوّر بدل الحضور، وهو ما سيحدث فعليا مع افتتاح المناقشة العامة رفيعة المستوى هذا الأسبوع. رجل يتحدث باسمه أكثر من 150 دولة عضو في الأمم المتحدة نفسها، يخاطبها هو نفسه، للعام الثاني، من خلف شاشة، من خارج الباب.
وعلى بعد أمتار من القاعة، تُعقد اجتماعات جانبية تتحدث عن «إحياء عملية السلام» و«تجديد الالتزام بحل الدولتين»، بالعبارات نفسها تقريبا التي استُخدمت قبل عشر سنوات وقبل عشرين. الكلمات تتجدد كل موسم. الملف لا يتحرك.
في 18 نيسان 1946 اجتمعت جمعية عصبة الأمم للمرة الأخيرة. كانت المنظمة التي ولدت بعد الحرب العالمية الأولى تُغلق أبوابها نهائيا، وقالت في قرارها الأخير إن وظائفها المتعلقة بالأقاليم الخاضعة للانتداب ستنتهي بانتهائها، لكنها أشارت إلى أن ميثاق الأمم المتحدة الوليدة يحمل مبادئ تقابل تلك التي قامت عليها المادة 22 من عهدها، وسجلت أن الدول التي تدير أقاليم منتدبة تنوي الاستمرار في إدارتها وفق التزامات الانتداب، إلى أن تتفق مع الأمم المتحدة على ترتيبات أخرى.
والانتدابات الأربعة الأخرى من الدرجة نفسها أُغلقت جميعا بإجراء رسمي واضح: العراق نال استقلاله وعضويته في عصبة الأمم نفسها عام 1932، وسوريا ولبنان أُعلن استقلالهما 1943 ونُفِّذ فعليا 1946 بعد جلاء القوات الفرنسية، وشرق الأردن استقل 1946 باتفاقية معترف بها دوليا. أربعة ملفات من الدرجة نفسها، أربعة إغلاقات موثقة. والخامس فقط، فلسطين، لم يشهد أيا من هذا.
كانت المنظمة القديمة تغادر. والمنظمة الجديدة كانت موجودة بالفعل. أما فلسطين، فبقيت واقفة بين البابين.
المادة 22 لم تتعامل مع الانتداب بوصفه ملكية للأرض؛ تحدثت عن شعوب قالت إن رفاهها وتقدمها يشكلان «أمانة مقدسة للحضارة»، وقسّمت هذه الشعوب إلى ثلاث درجات: «أ» للشعوب العثمانية السابقة القريبة من الاستقلال ولا تحتاج إلا نصحا وعونا إداريا، و«ب» لشعوب وسط أفريقيا الأبعد عن ذلك، و«ج» للأقاليم التي عُوملت كشبه إقليم تابع للدولة المنتدبة نفسها. فلسطين، مع العراق وسوريا ولبنان وشرق الأردن، صُنِّفت من الدرجة «أ»، الأعلى، الأقرب للاستقلال الفوري. أما جنوب غرب أفريقيا، ناميبيا اليوم، فصُنِّفت من الدرجة «ج»، الأدنى، الأبعد عن الاستقلال في تصور العصبة نفسها.
وهذا يعني أن فلسطين كانت، قانونيا، في وضع أفضل من ناميبيا يوم كُتبت هذه القواعد. ومع ذلك، ناميبيا هي التي أُغلق ملفها، وفلسطين هي التي بقيت.
حين اختفت عصبة الأمم، أعلنت جنوب أفريقيا أن انتداب ناميبيا سقط معها. فردّت محكمة العدل الدولية عام 1950 بأن حل العصبة لم يُسقط الانتداب، وأن الدولة المنتدبة بقيت ملزمة بتقديم حساب عن إدارتها، وأن الأمم المتحدة مؤهلة لممارسة وظائف الإشراف التي كانت تقوم بها العصبة. وفي 1971 عادت المحكمة لتؤكد أن زوال العصبة لا يعني اختفاء الانتداب تلقائيا مع اختفاء المؤسسة المشرفة عليه. ولم يبق الأمر رأيا معلّقا في الهواء: أنشأت الأمم المتحدة عام 1967 هيئة باسم مجلس الأمم المتحدة لناميبيا لمتابعة الملف مؤسسيا، حتى نالت ناميبيا استقلالها فعليا عام 1990 تحت إشراف أممي معلن.
لم يُنشأ يوما مجلس مماثل لمتابعة «الأمانة المقدسة» في فلسطين، رغم أن الأساس القانوني، مادة العهد نفسها وسابقة المحكمة نفسها، واحد بالحرف في الحالتين.
فلماذا لم يُنشأ «مجلس الأمم المتحدة لفلسطين» حتى اليوم؟
والدقة هنا تفرض توقفا ضروريا: فلسطين ليست ناميبيا، وانتداب فلسطين انتهى فعليا عام 1948؛ نص قرار الجمعية العامة 181 على إنهاء الانتداب في موعد أقصاه أول آب 1948، وأبلغت بريطانيا لجنة الأمم المتحدة أن الانتداب ينتهي قانونيا عند منتصف ليلة 14 و15 أيار 1948. والسؤال الأدق هنا يتجاوز مجرد التساؤل عمّا إذا كان الانتداب البريطاني ما زال قائما، إلى سؤال أعمق: ماذا بقي من الملف الذي كان الانتداب جزءا منه فقط؟
في 1946 كانت العصبة تُغلق مؤسستها، فيما كانت الأمم المتحدة تبدأ عملها. وفي 1947 اتخذت الجمعية العامة قرار التقسيم، ونص القرار نفسه على إنهاء الانتداب وإنشاء ترتيبات سياسية جديدة في فلسطين. لم تكن الأمم المتحدة مجرد أمين أرشيف لملف قديم؛ دخلت إلى الملف، واقترحت مستقبله، ورسمت له مسارا جديدا. ثم جاءت الوقائع على الأرض أسرع من قدرة القرار على إنتاج التسوية.
العصبة أغلقت أبوابها. والانتداب انتهى. لكن فلسطين لم تدخل منذ ذلك اليوم إلى منطقة الذاكرة؛ دخلت إلى تاريخ الأمم المتحدة نفسه: قرارات، ولجان، وبعثات، ولاجئون، وحدود، والقدس، وحروب، ومفاوضات، وملفات قانونية توالدت كلها من الملف الأول. وفي 19 تموز 2024، وبطلب من الجمعية العامة التي ورثت الملف عام 1946، أصدرت المحكمة نفسها رأيا استشاريا آخر، هذه المرة عن الاحتلال لا عن الانتداب القديم: وجود إسرائيل المستمر في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، ويجب أن ينتهي بأسرع وقت ممكن. المحكمة التي حسمت مصير ناميبيا قبل نصف قرن، عادت لتخاطب الجهة نفسها بخصوص فلسطين، وكأن الملف الأول لم يُغلق يوما، فقط انتقل من عنوان قانوني إلى آخر.
استدعاء ناميبيا هنا لا يعني أن الحالتين متطابقتان؛ يعني شيئا أدق: أن القانون الدولي نفسه رفض، في حالة ناميبيا، فكرة أن اختفاء المؤسسة المشرفة يمحو تلقائيا الالتزامات التي نشأت في ظل نظام الانتداب. فلماذا لا يُطرح السؤال الفلسطيني على المستوى نفسه من الدقة؟ والمقصود هنا معرفة ما الذي انتقل فعلا من نظام العصبة إلى نظام الأمم المتحدة، وما الذي انتهى بانتهاء الانتداب فعلا، وما الذي بقي حيا في منظومة الحقوق والالتزامات التي تشكلت بعده، لا محاولة لإعادة انتداب ماتت مؤسسته منذ ثمانين عاما.
فالدول والمنظمات الدولية لا ترث الماضي كله دفعة واحدة؛ أحيانا ترث مؤسسة، وأحيانا وظيفة، وأحيانا مبدأ، وأحيانا ملفا لا تعرف كيف تغلقه. وفلسطين كانت، وما تزال، أحد أكثر الملفات التي تكشف الفرق بين هذه الكلمات كلها. بريطانيا سُئلت طويلا عما قالته عام 1917. والعصبة سُئلت عما فعلته عام 1946. لكن ما فعلته الأمم المتحدة نفسها بالملف الذي دخل نظامها الدولي بعد ذلك، يكاد لا يُسأل عنه أحد.
والملف هنا ليس استعارة فقط. وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين بدأت عملها عام 1950 بسجلات نحو 750 ألف لاجئ، واليوم تحتفظ بملفات نحو 5.9 مليون لاجئ فلسطيني مؤهل لخدماتها، محفوظة في سجلات عائلية تمتد جذورها إلى وثائق ما قبل 1948. خمسة ملايين وتسعمئة ألف ملف عائلي، تكبر كل عام بأسماء جديدة، بينما يبقى الملف الأكبر الذي يجمعها كلها بلا تاريخ إغلاق متوقع.
ويعود المفتاح، عند هذه النقطة تحديدا، إلى الطاولة. صدئ، صغير، صامد أكثر مما ينبغي. لا يثبت وحده حقا قانونيا، ولا يفتح وحده بابا سياسيا، لكنه يذكّرنا بشيء لا تستطيع القرارات محوه: أن وراء كل ملف دولي بشرا، وأن وراء كل صفحة قانونية بيتا، وأن وراء كل باب مغلق سؤالا ينتظر من يقرأ الوثيقة الأخيرة حتى نهايتها.
اليوم، بعد ثمانين عاما على ذلك الانتقال، يعترف أكثر من 150 دولة عضو في الأمم المتحدة نفسها بدولة فلسطين، من دون أن يراجع أحد منها الملف الذي انتقل إليها في 1946. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد السؤال فقط: من كتب الوعد؟ صار السؤال: من حمل الملف؟ ومن راجعه؟ ومن أغلقه؟ ومن تركه مفتوحا كل هذه السنوات، بينما أُغلقت أمامه أربعة ملفات مطابقة، وأُغلق أمام غيره ملف كان أضعف منه قانونا؟
الورق قديم. المفتاح أقدم. أما السؤال، فما زال جديدا!
ملف فلسطين لم يعد ينتظر من يعثر عليه. إنه ينتظر من يجرؤ على فتحه حتى آخر صفحة فيه!



