إنك لا تقف أمام ساحة عادية، بل أمام أعجوبة معمارية لا مثيل لها في العالم الروماني بأسره. عندما تدخل مدينة جرش العظيمة، التي عُرفت قديماً باسم "جراسا"، تستقبلك مباشرة ساحة فسيحة بيضاوية الشكل، تبلغ أبعادها تسعين متراً طولاً وثمانين متراً عرضاً، وتطوّقها أروقة محمولة على ستة وخمسين عموداً أيونياً شامخاً، صُنع كل عمود منها من أربع كتل حجرية متراصة بإتقان.
والأمر الأكثر إدهاشاً أن جميع ساحات المدن الرومانية كانت تُبنى مربعة أو مستطيلة، إلا هذه الساحة. فقد تعمّد المهندس الروماني أن يجعلها بيضاوية لسبب هندسي عبقري؛ ذلك أن محور الشارع المُعَمَّد الرئيسي "الكاردو" لا يتوازى مع محور معبد زيوس، فجاءت الساحة البيضاوية كحلٍ معماري ذكي يربط بين المحورين المختلفين ويوسع الطريق أمام مدخل المعبد بانسيابية فريدة. أما التبليط الحجري الذي تراه اليوم فيعود إلى ما بعد القرن الرابع الميلادي، وفي وسط الساحة كان يوجد مذبحان لتقديم القرابين، ولا يزال أحدهما حتى اليوم يحمل عمود شعلة مهرجان جرش.
وظائفها التجارية قديماً:
لم تكن الساحة مجرد مكان للعبور، بل كانت القلب الاقتصادي النابض للمدينة، أو ما كان يُعرف بـ "الفوروم". كانت سوقاً للسلع الفاخرة، فالمحلات الستة والخمسون الواقعة تحت الأعمدة كانت متخصصة في بيع الملابس الحريرية والمجوهرات الثمينة، وقد اختير موقعها بعناية فائقة لتكون في واجهة المدينة ومدخلها الرئيسي، ليكون أول ما يراه التاجر الثري هو مظاهر الفخامة.
كما كانت بمثابة البورصة التجارية التي تُعقد فيها الصفقات الكبرى وتُحدد فيها أسعار القمح والزيت، ومركزاً للحياة العامة تُعقد فيه النقاشات السياسية والاجتماعات.
وقد تعامل الرومان معها بعبقرية، فنظموها بنظام دقيق لكل دكان موقعه المحدد، وزودوها بنظام تصريف مياه متقن تحت البلاط، وجعلوا من الأعمدة مظلات تحمي الزبائن، بل إن بعض الأعمدة لا تزال تحمل حتى اليوم نقوشاً يونانية بأسماء التجار.
أما جرش الحديثة.. فتفتقر إلى الأسواق المتخصصة
والمفارقة المؤلمة اليوم، أن جرش القديمة التي أبدعت قبل ألفي عام في التخصص التجاري، قد فقدت جرش الحديثة هذه الميزة.
فاليوم، إذا تجولت في أسواق جرش الحديثة، تجدها أسواقاً عشوائية مختلطة، يختلط فيها بائع الخضار ببائع الملابس ببائع الأدوات المنزلية في نفس الشارع ونفس الرصيف، دون تخصص أو هوية واضحة. لا يوجد سوق متخصص للذهب كما كان في الساحة البيضاوية، ولا سوق متخصص للنسيج، ولا سوق متخصص للحرف.
لقد كان الرومان يفهمون قاعدة التجارة الذهبية: "التخصص يصنع الفخامة، والفخامة تصنع المال"، فجعلوا لكل سلعة ثمينة مكانها في واجهة المدينة. أما اليوم، فتفتقر المدينة إلى سوق حضاري متخصص يليق بتاريخها، سوق يجمع الحرف اليدوية الجرشية، أو سوق للمنتجات التراثية، يكون واجهة حقيقية للزائر كما كانت الساحة البيضاوية قبل ألفي عام.
لقد تفوقت جرش القديمة على جرش الحديثة في التخطيط التجاري، وبقيت الساحة البيضاوية درساً لنا: أن المدينة لا تزدهر بكثرة المحلات، بل بتنظيمها وتخصصها.



