يقف الشرق الاوسط اليوم امام لحظة فارقة يعاد فيها تشكيل موازين القوى بالنار والحديد حيث تبدو الخرائط القديمة عاجزة عن تفسير التحولات المتسارعة فالرياض تجد نفسها تحت ضغوط وجودية حقيقية فرضها التهديد الحوثي المتصاعد الذي تحول الى سيف مصلت على عصب الاقتصاد السعودي ومنشآته النفطية الحيوية وفي ظل هذا المأزق ادركت القيادة السعودية ان المظلة الامنية الامريكية باتت مليئة بالثقوب وان مرحلة الاعتماد الكامل على واشنطن وسياسة المقايضة لم تعد تجلب الامان المنشود مما دفعها للبحث عن بدائل اقليمية واسلامية عبر التقارب مع انقرة واسلام اباد
غير ان هذا المسار يثير تساؤلا جوهريا حول جدوى مثل هذه الاحلاف على ارض الواقع فهل يمكن لباكستان الدولة النووية ذات التركيبة الديمغرافية الهشة ان تغامر باشعال حرب اهلية داخلية عبر الدخول في مواجهة مباشرة مع طهران وهل لتركيا البراغماتية التي تلهث خلف الاستثمارات والاموال الخليجية ان تورط جيشها في تضاريس اليمن الوعرة مقبرة الغزاة التاريخية
الاجابة الواقعية هي النفي المطلق وهو ما التقطته طهران سريعا حين سخرت من هذه الترتيبات واعتبرتها مجرد حبر على ورق لا يملك حماية المنشآت النفطية موجهة رسالة صريحة للرياض بان التفاهم المباشر هو السبيل الوحيد للامن
وفي خضم هذا المشهد يبرز الغياب المصري كعلامة استفهام كبرى فبينما تتحدث التقارير عن تحفظات سعودية تجاه القاهرة تعود لملف حرب اليمن السابقة والاصطفاف المصري مع ابوظبي في ملفات حساسة تكشف القراءة العميقة للموقف المصري عن خيار استراتيجي واع فضلت فيه القاهرة ان تكون القوة الهادئة بدلا من التورط في احلاف غير محسوبة العواقب فالقاهرة لا تبحث عن استعراضات سياسية صاخبة بل تنفذ ردعها الفعلي على الارض
تترجم مصر هذا الردع الصامت وتحديدا في رفح حيث تشيد قاعدة عسكرية متكاملة المهام تضم قوات خاصة ومدرعات ورادارات متطورة ودفاعا جويا لترسل رسائل ردع خشنة للجانب الاسرائيلي مفادها المراقبة والجاهزية التامة فضلا عن اغلاق الباب امام اي محاولات لزعزعة استقرار سيناء ويمتد هذا النفوذ الاستراتيجي الهادئ الى الصومال عبر تدريب جيشه بما يفرض تراجعا استراتيجيا على التحركات الاثيوبية ويثبت ان ادارة الصراع تتطلب نفسا طويلا بعيدا عن اضواء الكاميرات
المشهد الاقليمي لم يعد محكوما بالجيوش النظامية التقليدية بل باتت تحكمه تكتيكات الطيران المسير المجهول والحروب بالوكالة المشتعلة في ليبيا والسودان والقرن الافريقي لادارة النزاعات دون اعلان مسؤولية بالتوازي مع انحسار الهيبة الامريكية وتراجع دورها كشرطي للمنطقة وغرق اسرائيل في استنزاف داخلي وخارجي وسط مساع لتثبيت وقائع احتلال جديدة باعترافات رمزية كالموقف الكولومبي في الجولان
هذا المشهد المنقسم يكشف بوضوح الفرق بين من يلهث وراء تحالفات شكلية هشة ولدت ميتة لا تقوى على مواجهة الواقع وبين من يبني قلاعه بصمت وثبات استعدادا للعاصفة الكبرى القادمة التي لن تقاس ببيانات التضامن والاتفاقات الصورية بل بالقدرة الفعلية على الصمود والبقاء حين تنفد الذخيرة حقا



