*
الاثنين: 31 أغسطس 2026
  • 31 أغسطس 2026
  • 12:42
الملكة رانيا من هيبة الحضور إلى صناعة الأثر
الكاتب: د. بثينة محادين

حين تتحدث الملكة… يصمت العالم
ليس لأن العالم لا يجد ما يقوله.
بل لأن العالم، وسط هذا الكم الهائل من الأصوات، أصبح يعرف الفرق بين من يتحدث كي يُسمَع، ومن يتحدث لأن لديه ما يستحق أن يُسمَع.
وحين تتحدث الملكة رانيا، لا يبدو المشهد كخطاب آخر يُضاف إلى أرشيف الخطب الدولية.
ثمة شيء يحدث قبل الكلمات.
تتراجع الضوضاء قليلاً…..
ويبدأ الإصغاء……
من هذه المرأة التي تستطيع أن تأخذ قضية تبدو بعيدة عنا، وتضعها فجأة في قلب وعينا؟ كيف تستطيع أن تجعل طفلاً لا نعرفه جزءاً من حكايتنا؟ وأن تجعل التعليم قضية تتجاوز المدرسة؟ وأن تجعل المرأة أكثر من رقم في تقارير التنمية؟ وأن تجعل الحديث عن الإنسان حديثاً عن مستقبل العالم كله؟
ربما لأن سر التأثير ليس في امتلاك المنبر.
المنبر متاح لكثيرين…..
لكن القدرة على تحويل المنبر إلى مساحة يفكر فيها الآخرون… شيء آخر.
وربما هنا تحديداً تكمن إحدى أكثر صور القوة الناعمة هدوءاً وعمقاً.
فالنفوذ ليس دائماً قراراً سياسياً، وليس دائما  خلفه اتفاقية أو تحالف أو مؤتمر.
أحياناً يكون النفوذ أن تقول جملة، فيعيد شخص في مكان بعيد التفكير في قضية لم تكن تعنيه قبل أن يسمعك.
وأحياناً يكون أن تتحدث عن وطنك دون أن تضطر إلى الحديث عنه طوال الوقت.
وهذا تحديداً ما يجعل حضور الملكة رانيا مختلفاً.
فهي لا تحتاج في كل مرة إلى أن تقول: «هذا هو الأردن».
يكفي أحياناً أن تتحدث عن الإنسان بالطريقة التي تجعل الآخرين يسألون:
من أي مكان جاءت هذه الرؤية؟
وهنا يظهر الأردن…..
ليس في خلفية الصورة فقط، بل في طريقة النظر إلى العالم.
وربما هذه واحدة من أكثر صور الدبلوماسية الأردنية التي لا نتحدث عنها بما يكفي.
الدبلوماسية التي لا تجلس بالضرورة خلف طاولة المفاوضات.
الدبلوماسية التي لا تحتاج إلى حقيبة رسمية.
الدبلوماسية التي تبدأ حين يلتقي خطاب بلدٍ ما بوعي العالم.
فالدول اليوم لا تتنافس فقط على الأرض، ولا على الاقتصاد، ولا حتى على النفوذ السياسي.
إنها تتنافس أيضاً على المعنى.
من يستطيع أن يجعل الآخرين يفهمونه؟
من يستطيع أن يجعل صورته في الخارج أكبر من الأخبار التي تتحدث عنه؟
ومن يستطيع أن يجعل العالم يرى إنسانيته قبل أن يقرأ عنوانه السياسي؟
في هذه المساحة، تصبح بعض الشخصيات جزءاً من السردية الوطنية.
لا لأنها تمثل الدولة رسمياً في كل لحظة، وإنما لأنها تحمل معها، أينما ذهبت، شيئاً من روح المكان الذي جاءت منه.
لكن ربما لم تكن المسألة يوماً:
ماذا قالت الملكة رانيا للعالم؟
ربما السؤال الأهم:
ماذا جعلت العالم يرى؟
وهنا تكمن المفارقة.
ليست الملكة هي القوة الناعمة.
القوة الناعمة هي ما يحدث بعد أن تتحدث.
الأثر الذي يبقى بعد انتهاء الخطاب.
الفكرة التي تنتقل من قاعة إلى أخرى.
الصورة التي تتشكل في ذهن شخص لم يزر الأردن يوماً.
والسؤال الذي يبدأ عند شخص ما بعد أن يسمعها:
كيف يمكن لبلد صغير أن يحمل كل هذا الإيمان بالإنسان؟
هنا لا تعود الحكاية حكاية امرأة تتحدث إلى العالم.
تصبح حكاية وطن يتسلل إلى وعي العالم من باب الإنسان.
ولهذا فإن السؤال في عيد ميلاد الملكة رانيا ليس: كم إنجازاً حققت؟
السؤال الأهم هو:
كم مرة جعلت العالم ينظر إلى قضية بطريقة مختلفة؟
فالأثر الحقيقي لا يُقاس بعدد الكلمات التي قيلت، وإنما بعدد الأفكار التي بقيت بعد أن انتهى الكلام.
وفي زمنٍ أصبح فيه الجميع يتحدثون كي يُسمَعوا، قد لا تكون القوة في أن تملك الكلمة الأخيرة…
بل في أن تكون كلمتك هي التي تستمر بعد أن ينتهي الكلام.
أن تغادر القاعة، ويبقى السؤال. أن ينتهي الخطاب، وتبدأ الفكرة. أن تنطفئ الأضواء، ولا ينطفئ الأثر.
فبعض الحضور يُرى… وبعض الحضور يغيّر ما نراه.
كل عام وجلالة الملكة رانيا العبدالله بخير ،
وكل عام وأثرها أبعد من الكلمات ،وحضورها أكبر من المنابر ،ورسالتها تصل إلى حيث لا تصل الخُطَب.

مواضيع قد تعجبك