*
الاحد: 30 أغسطس 2026
  • 30 أغسطس 2026
  • 20:00
لماذا يحرد المسؤولون السابقون في الاردن
الكاتب: د.ميساء المصري

بداية قبل قراءة المقالة دعونا نتفق معا على مبدأ في علم السياسة مفاده ان الوصول إلى السلطة لا يكفي كي يصبح المرء رجل دولة . 

فالفارق الحقيقي بين رجلي  السلطة والدولة يظهر عندما تتقدم المصلحة الوطنية على الحساب الشخصي و يتحول الموقع العام إلى مسؤولية لا إلى امتياز. 

ربما نقع هنا في إشكالية رجل السياسة ورجل الدولة، وفي معنى السلوك السياسي الوطني، و هل نمارس السياسة من أجل الدولة، أم نستخدم الدولة من أجل السياسة ؟

وفي خضم هذا ،تنتشر ظاهرة حرد المسؤول السابق والتي تستحق أن تُقرأ بهدوء بعيدًا عن السخرية أو الشخصنة . 

والسؤال هنا لماذا يصعب على بعض المسؤولين السابقين مغادرة موقع المسؤولية نفسيًا، حتى بعد أن تركوا الموقع إداريًا. 

ولماذا يتحول بعضهم، بعد خروجه من دائرة القرار، إلى مراقب غاضب لكل ما يأتي بعده، وكأن انتهاء مهمته لم يكن تداولًا طبيعيًا للمسؤولية، بل إقصاءً شخصيًا يستوجب الرد ! 

حرد المسؤولين السابقين ليس مرضًا نفسيًا بالمعنى الطبي ، حاشا وكلا ، وإنما تركيب سياسي واجتماعي ونفسي يظهر للسطح مع غياب ثقافة تقبل مغادرة السلطة وعدم ترسخيها بما يكفي. 

حالة تتجلى عندما يصبح المنصب جزءًا من الهوية الشخصية، لا مجرد وظيفة مؤقتة في خدمة الدولة.

التفسير السياسي هنا يخضع لمعضلة تبدأ من ضعف مفهوم تداول المنصب ، ففي الدول العريقة في الممارسات السياسية والتنفيذية لا يُفترض أن يبقى المسؤول في موقعه إلى الأبد بل يجري اخلاء المناصب وفق عملية ديمقراطية ولا  يُنظر إلى خروج المسؤول بوصفه هزيمة شخصية. 

المنصب مرحلة، والدولة مستمرة، والقرار العام ملك للمؤسسات لا للأفراد لمن يفهم ماهية العملية السياسية وامتلك الخبرة الحقيقية في السلطة .

حين تغيب القنوات السياسية الحقيقية التي يستطيع المسؤول السابق من خلالها تقديم رؤيته وخبرته، يصبح الإعلام ومنصات الشبكات الإجتماعية الرقمية البديل الأسهل وهنا يبدأ تحول  مسؤول سابق يمتلك خبرة يمكن أن تُستثمر إلى شخصية تبحث عن منصة تستعيد من خلالها حضورها السابق.

ويزداد الأمر تعقيدًا عندما يترسخ اعتقاد بأن طريق العودة إلى الكرسي يمر عبر معارضة شرسة أو تصريحات شعبوية أو الاصطفاف مع المزاج العام حتى وان كان غير صحيح . 

في بلدي غذّت تجارب سياسية سابقة هذا الاعتقاد لدى بعض النخب، فأصبح رفع سقف الخطاب الداخلي وسيلة لصعود مسؤولين او اعادة إنتاج متقاعدين و كل ذلك بمساعدة غياب الوعي الجمعي.

ان المعضلة الأعمق هي تقييم المسؤولين الحاليين بعقلية الماضي ، و إشكالية ساسة الأمس وساسة اليوم ، واقصد حكم المسؤولين السابقين على قرارات اليوم وفق تجارب الأمس دون الاعتراف بأن الاقتصاد والسياسة والإقليم وتوازنات الدولة تتغير بإستمرار ، فالقرار الذي كان ممكنًا قبل عشر سنوات قد يصبح اليوم غير ممكن، والعكس صحيح.

وفي الحديث عن حرد المسؤولين السابقين لا نستطيع إغفال  التفسير الإجتماعي لطبيعة هذه المتلازمة ،اذ ان هناك بيئة اجتماعية تساهم، من حيث لا تقصد، في إستمرار هذه الحالة لان غالبية اصحاب المناصب السابقة يجدون أنفسهم محصورين في أدوار اجتماعية سطحية ، جاهات أعراس وأتراح و ولائم.  

وفي الوقت ذاته تستمر البيئة المحيطة في معاملتهم كأنهم ما زالوا يملكون مفاتيح الدولة وهنا يصبحون بين رحى طلبات التعيين وسندان تيسير الخدمات ، ثم يُلامون عندما يعجزون عن تنفيذها. 

والأسوأ أن شبكات المنصات الاجتماعية الرقمية تمنح بعضهم وهمًا إضافيًا بالحضور، فالتعليقات التي تستعيد أمجاد المنصب السابق وتضعه في صورة المنقذ، تصنع فقاعات من الحنين للموقع لا علاقة لها بحجم التأثير الحقيقي.

ولان تشخيص المتلازمة يجب ان يكون شاملا فان الإعلام في كثير من الأحيان ساهم في تفاقمها خاصة ان الخروج من السلطة يعني الانتقال من شمس الأضواء إلى ظلّ الحياة العامة فيتوهم هولاء أن الضوء كان ملكًا لهم لا لمناصبهم .

نفسيا ، تتشكل نرجسية الشخصية القيادية خلال سنوات المسؤولية بفعل فائض المديح والتهليل والتبجيل، وغياب النقاش الحقيقي عند صنع القرار، واعتقاد بعض الموظفين أن موافقة المسؤول فضيلة وأن مخالفته مخاطرة وعندها يصبح أخطر ما يمكن أن يعتقده المسؤول السابق اعتبار تجربته النموذج النهائي للحقيقة.

ربما علينا هنا أن نتوقف عند نماذج دولية تكشف فارقًا جوهريًا بين مغادرة المنصب ومغادرة عقلية المنصب عبر البحث أو الكتابة أو العمل المؤسسي أو النشاط المجتمعي.

جيم كارتر ، مثلا ، بعد مغادرته البيت الأبيض، لم يحوّل تجربته السياسية إلى مشروع دائم لاستعادة السلطة، بل أسس مركزا للدفاع عن حقوق الإنسان وحل النزاعات الدولية وكذلك فعلت المستشارة الألمانية انجيلا ميريكل التي اتجهت إلى الراحة والكتابة عن حياتها الخاصة باصدار مذكراتها دون تصيد اخطاء من خلفها . 

اردنيا ، نحن نتحرك في إقليم شديد الاضطراب والاستقطاب، ما يجعلنا بحاجة إلى خطاب وطني مسؤول يقدمه لنا اصحاب الخبرة لمعالجة  تحديات الفقر والبطالة وغيرها .

وعلينا أن نميز بين النقد الذي يستهدف إصلاح الدولة، والخطاب الذي يوظف أزماتها لإثبات صحة الخصومة معها . 

النقد الجاد ضرورة وطنية وأداة لتصحيح المسار ، أما تحويل كل أزمة إلى نبوءة انهيار، وكل قرار إلى دليل فشل، وكل تعثر إلى مناسبة للتحريض، فلا يصنع ثقة سياسية، بل يعمّق الوعي المأزوم.

وهنا يتجلى الفارق بين رجل سياسة يبحث عن موقع، ورجل دولة يدرك قيمة الدولة حتى بعد مغادرته الموقع.

مواضيع قد تعجبك