*
الاثنين: 31 أغسطس 2026
  • 31 أغسطس 2026
  • 10:51
أنا خائف
الكاتب: عماد داود

هذه الجملة لا تليق برجل يكتب عن السياسة، لكنها الحقيقة!

خائف من أن أكتب عن سوريا وأنا لم أعد هناك، ومن أن أنصف أحمد الشرع فأظلم ذاكرتي، أو أنصف ذاكرتي فأظلمه. لكن خوفي الأكبر أن أفتح ملفا قديما، اسمي فيه، عنواني فيه، رقم بطاقتي فيه، وأن أكتشف أنني ما زلت هناك، لم أغادر.

في التسعينيات دخلت الجامعة في سوريا كأي طالب، وخرجت أبحث عن اسمي في قوائم لم أعرف كيف دخلتها ولا حتى إن كنت خرجت منها. منذ ذلك اليوم لم أكتب عن سوريا بقلمي كله. نصف قلمي بقي هناك، عند حاجز، ينتظر.

الآن جاء رجل جديد، أحمد الشرع: من النصرة إلى فك الارتباط بالقاعدة عام 2016، إلى تحرير الشام وإدلب، إلى سقوط الأسد في ديسمبر 2024. رجل كان اسمه على قوائم الإرهاب، وصار اليوم على طاولات الدول. هذه رحلة اسم.

لكنها لا تجيب عن السؤال. الجميع يسأل هل تغير الشرع. أنا أسأل هل تغير الحاجز. فالرجل يأتي ويذهب، أما الحاجز فيبقى، والمواطن يمد هويته وينتظر، ثم يسأل نفسه: هل سيمر اسمي؟

في الثالث عشر من آذار 2025 وقّع الشرع إعلانا دستوريا انتقاليا بصلاحيات واسعة لخمس سنوات. يمكن فهم الحاجة إلى مركز قرار قوي بعد الحرب، لكن هناك كلمة أخاف منها أكثر من الخوف نفسه: الضرورة. فالضرورة تبدأ مؤقتة، ثم يصبح المؤقت عادة، والعادة نظاما، ومن يملك المفتاح لا يعيده بسهولة. الدولة تثبت قوتها حين تضع مفاتيحها في المؤسسات، لا حين تجمعها في يد رجل واحد.

في الثامن من تموز 2026 التقى الشرع بترامب في أنقرة، وبعد أسابيع، في الخامس والعشرين من آب، رفعت واشنطن سوريا رسميا من قائمة الدول الراعية للإرهاب. العالم رأى صورة جديدة. أنا رأيت سؤالا أقدم: من يضمن أن المواطن يعبر الباب نفسه الذي عبره الرئيس؟ الاعتراف الدولي يفتح أبوابا كبيرة، لكن الشرعية التي تهمني تبدأ عند باب أصغر بكثير: حين يكتب المواطن اسمه، ثم ينتظر، ولا يخاف.

ثم الساحل، آذار 2025: عنف واسع وأكثر من ألف وأربعمئة قتيل وثقتهم لجنة تقصي الحقائق لاحقا. السؤال الأصعب هنا ليس من قتل، السؤال هل تحاسب الدولة رجالها. إن اختارت المحاسبة بدأت دولة، وإن اختارت الحماية بقي الحاجز كما هو.

وفي أواخر آب 2026 حلّ مظلوم عبدي قوات سوريا الديمقراطية ضمن دمجها بمؤسسات الدولة، وعيّنه الشرع بعد أيام قليلة مستشارا للرئاسة. كثيرون يرونه إنجازا. أنا أراه وعدا لم يتحقق بعد بكامله: هل دخل السلاح الدولة فعلا، أم دخل الخصم القديم إلى قلب المركز نفسه؟

ثم إسرائيل: محادثات في الأردن بوساطة أميركية، والرجل الذي كان بالأمس على قائمة الإرهاب يتفاوض اليوم. الجميع قال تحول. أنا أقول امتحان، فأي اتفاق سيصل إلى القصر، وأي حرب ستصل إلى الشارع، والرئيس بينهما يمشي على حبل. والأردن ليس متفرجا هنا، فاستقرار سوريا أمن أردني مباشر، لكن الأردن يختار الاستقرار، لا الرجال.

أتذكر عبد الرؤوف الكسم، رئيس وزراء حاول مواجهة الفساد في عهد الأسد الأب ثم خرج. سؤاله كان ماذا يفعل رجل إذا كان القرار في مكان آخر. اليوم السؤال معكوس: ماذا يحدث إذا أصبح القرار كله في مكان واحد؟ سوريا لا تحتاج رجلا يحمل كل المفاتيح، تحتاج مؤسسات تملك مفاتيحها بنفسها.

لهذا لا أسأل هل تغير الشرع، أسأل هل تغيرت العلاقة بين الحاكم والمواطن. في عهد الأسد كان المواطن يدخل الدولة باسمه وقد يخرج منها بلا اسم، أو يدخل سجنا، أو يختفي. هل يستطيع اليوم أن يختلف مع الرئيس، أن يكتب، أن يعود من الخارج دون خوف، أن يقول أنا؟ إن كانت الإجابة نعم، بدأ التغيير فعلا. وإن كانت لا، فقد تغير الاسم فقط.

لا أطلب من الشرع أن يمحو الجولاني أو الأسد، أطلب أن يجعل الجولاني ماضيا، والأسد درسا، والدولة مستقبلا. تغيير اسم الحاكم أسهل من تغيير علاقته بالمواطن، ويمكن أن يتغير العلم والقصور، لكن هناك شيئا واحدا لا تغيره الصور: الحاجز.

وأنا أعرف الحاجز جيدا. بحثت عن اسمي بعد سنوات طويلة، ولم أكن أبحث عن معلومة، كنت أبحث عن نفسي. لن أقول ماذا وجدت، ذلك الجزء يبقى لي وحدي. لكنني أعرف أن هناك حواجز لا تحتاج شرطيا واحدا، يكفيها جهاز وشاشة وخانة تكتب فيها اسمك، ثم تنتظر.

خسارتي من سوريا لم تكن اسما في ملف فقط، كانت ذاكرة وصوتا ووجها وجزءا من روحي بقي هناك. لهذا أريد أن أعرف إن كان الشرع يستطيع أن يبني دولة لا تحتاج إليه شخصيا لتستمر. هذا هو الاختبار الحقيقي: أن يجعل القصر ممكنا من دونه، وأن يصبح اسم المواطن العادي أقوى من أي ملف قديم يحمله.

الدولة التي أريدها لا تسأل مواطنها من أنت ثم تفتش عن الجواب في ملف قديم. تقول له ببساطة: نعرف اسمك، نعرف حقك، مر.

لا أطلب استعادة سنواتي، ولا ذلك الجزء المفقود من روحي، فالماضي لا يعود مهما أردنا. أطلب شيئا أصغر وأكبر في آن معا: أن أقف يوما أمام حاجز سوري، أعطي اسمي، فيمر الاسم ويمر الإنسان خلفه، دون أن أسأل نفسي ماذا يعرفون عني بالضبط. عندها سأعرف أن سوريا تغيرت فعلا، وسأكتب بقلمي كله لا بنصفه، لأن نصف قلمي هناك لم يكن ينتظر اعترافا بالرئيس يوما، كان ينتظر اعترافا بالإنسان.

ومن يمنح الشرعية إذن؟ لا السلاح، ولا واشنطن، فكل هؤلاء يفتحون أبوابا كبيرة، لكن لا أحد منهم يكتب اسم المواطن مكانه عند الباب الصغير. الشرعية الحقيقية لحظة صغيرة واحدة: أن يكتب المواطن اسمه، ثم يرفع رأسه، ولا يخاف. عندها فقط يتغير الحاجز، لأن المواطن نفسه لم يعد يهرب من اسمه.

وعندها فقط أستطيع أن أعود، لأقف حيث تركت نصف قلمي منذ التسعينيات، وألتقطه، وأكتب من جديد بقلم كامل.
 

مواضيع قد تعجبك