إذا أردنا أن نعرف حال مدينة عمّان، فلا يكفي أن ننظر إلى شوارعها الرئيسية وواجهاتها التي تحظى عادةً بقدر أكبر من العناية، بل علينا أن ندخل إلى الأحياء الشعبية، إلى عمّان التي يعيش فيها الناس يومهم العادي، فهناك تتضح حقيقة المدينة أكثر من أي مكان آخر. فالأحياء الشعبية ليست هامشاً في عمّان، بل هي جزء أصيل من نشأتها وذاكرتها ونسيجها الاجتماعي، ومنها ينبغي أن يبدأ أي حديث جاد عن تخضير المدينة وتحسين بيئتها وخدماتها. يكفي أن يمشي المرء في بعض هذه الأحياء لينظر إلى الرصيف تحت قدميه قبل أن ينظر إلى الشجرة فوق رأسه؛ أرصفة متعبة، وأجزاء مكسورة، وعوائق متفرقة، ومساحات ضيقة لا تتيح دائماً لكبير السن أو الطفل أن يمشي بأمان وراحة. وإذا كانت الأرصفة من مسؤولية المدينة، فإن العناية بها يجب ألا تكون مرتبطة بموقع الحي أو أهميته أو كونه يقع على شارع رئيسي؛ فالإنسان الذي يمشي في حي شعبي له الحق نفسه في رصيف آمن ونظيف وصالح للاستخدام. وكذلك الأشجار؛ فزراعة الشجرة ليست نهاية المهمة، وإنما بدايتها، لأنها تحتاج إلى ريّ وتقليم ومتابعة، حتى لا تتحول من مصدر للظل والجمال إلى عائق للمشاة أو خطر على المارة. والتخضير الحقيقي لا يكون بزراعة شجرة ثم نسيانها، وإنما بإدارة دورة حياتها كاملة. وفي مدينة مثل عمّان، التي تتمتع بساعات طويلة من السطوع الشمسي، لماذا لا ننظر أيضاً إلى أسطح الأبنية، ولا سيما في الأحياء المكتظة، باعتبارها فرصة لإنتاج الطاقة الشمسية، وربما لزراعة حضرية صغيرة وفق ضوابط هندسية وبيئية تضمن السلامة وتحافظ على المياه؟ إن سطح العمارة يمكن أن يصبح جزءاً من الحل بدلاً من أن يبقى مساحة مهملة فوق رؤوس السكان. وحتى التفاصيل التي تبدو صغيرة، مثل لوحات أسماء الشوارع وأرقام الأبنية، تستحق عناية أكبر؛ فاللوحة الواضحة ليست زينة، وإنما عنوان وهوية ووسيلة تساعد المواطن والزائر والإسعاف والدفاع المدني وخدمات التوصيل على الوصول إلى المكان بسهولة. وفي بعض الأحياء تحتاج هذه اللوحات إلى صيانة أو استبدال أو استكمال. والنقد هنا ليس موجهاً ضد أمانة عمّان، ولا ينكر ما تقوم به من مشاريع، وإنما هو نقد يريد أن يرى العناية تصل إلى حيث يعيش الناس، لا أن تظل محصورة في الواجهات. فالمدينة العادلة هي التي توزع عنايتها كما توزع خدماتها، ولا تجعل من الشارع الرئيسي واجهةً لمدينة، بينما تترك الأحياء التي صنعت تاريخ عمّان في آخر قائمة الأولويات. نحن بحاجة إلى الانتقال من ثقافة تنفيذ المشروع إلى ثقافة صيانة المدينة؛ فالرصيف يُنشأ ليُصان، والشجرة تُزرع لتكبر وتُرعى، واللوحة تُثبت لتبقى واضحة، والسطح يمكن أن ينتج الطاقة، والحي يحتاج إلى متابعة مستمرة. وربما آن الأوان لأن نعيد تعريف تخضير عمّان: ليس المطلوب فقط أن نزرع المزيد من الأشجار، بل أن نحافظ على ما زرعناه، وأن نمنح الأحياء الشعبية نصيبها العادل من الظل والرصف والنظافة والجمال. فعمّان الحقيقية ليست ما نراه من نوافذ السيارات في شوارعها الرئيسية؛ عمّان الحقيقية هي ما يراه المواطن وهو يمشي في حارته كل صباح. ومن هناك، من الرصيف والشجرة واللوحة والسطح، يبدأ اختبار المدينة الحقيقي.



