لم تعد عبارة "الاستقلال المالي والاداري" المنصوص عليها في المادة من قانون الضمان الاجتماعي سوى غطاء تشريعي فارغ يستر واقعا مريرا من الهيمنة الحكومية المطلقة. فالصندوق الذي يمثل الملاذ الائتماني الوحيد لمدخرات ملايين العمال والموظفين والجنود، جرى تدجينه وتحويله عمليا من محفظة سيادية تنمي ثروات الاجيال الى خزانة سيولة مفتوحة بلا قيد، تسد بها الحكومات المتعاقبة عجز موازناتها، وتمول بها مغامرات انتاجية ارتجالية تفتقر الى ابسط ابجديات الحصافة الاستثمارية.
اولا: تشريح المحفظة.. ابتلاع السندات وشبح التعادل الاكتواري
تكشف البيانات المالية المجمعة لمحفظة الصندوق، التي تلامس موجوداتها عتبة الـ 20 مليار دينار، عن تشوه هيكلي صارخ يهدد الاستقرار طويل الاجل للمنظومة التقاعدية:
الهيمنة المطلقة للدين العام: تستحوذ سندات واذونات الخزينة الحكومية على النسبة الكاسحة من المحفظة (تتجاوز حاجز الـ 55% الى 60%، بما يقارب 11 الى 12 مليار دينار). هذا التركيز الاحادي لا يعني سوى تحويل الصندوق الى ممول اجباري لعجز الدولة، وربط مصير رواتب المتقاعدين بمدى سيولة المالية العامة، مما يعطل تماما قاعدة تنويع الاصول الاستثمارية.
تجميد السيولة وتواضع العوائد: في الوقت الذي تعتمد فيه الصناديق التقاعدية العالمية على تنويع استثماراتها في الاسواق الدولية والصناعات التحويلية والرأسمالية الكبرى لتوليد فوائض تفوق معدلات التضخم، تقبع اموال الضمان اسيرة عوائد الفائدة الثابتة على السندات، والتي تتآكل قيمتها الحقيقية بمرور الزمن.
تحذيرات الدراسات الاكتوارية: تدق الدراسات الاكتوارية المتتابعة (ولا سيما الدراستين العاشرة والحادية عشرة) ناقوس الخطر حول اقتراب "نقطة التعادل الاكتواري"؛ وهي اللحظة الحرجة التي ستتساوى فيها الاشتراكات التأمينية مع النفقات والرواتب التقاعدية وتتجاوزها، مما سيجبر الصندوق على تسييل اصوله اذا لم تكن هناك عوائد استثمارية رأسمالية حرة واستثمارات قوية مدرة للدخل الحقيقي.
محفظة الاسهم بين الفرص والقيود: رغم ملكية الصندوق لحصص استراتيجية وحيوية في اعمدة الاقتصاد الوطني (مثل البنك العربي، مناجم الفوسفات، والبوتاس العربية)، والتي توفر تدفقات نقدية من التوزيعات، الا ان غياب الرؤية التوسعية الجريئة والارتهان للاستسهال في شراء السندات يحرمان المحفظة من قيادة مشاريع صناعية وتكنولوجية جديدة ذات قيمة مضافة عميقة.
ثانيا: الحوكمة المشوهة وهندسة التبعية التشريعية
ان جذر الخلل لا يكمن في الظروف الاقتصادية وحدها، بل في الهيكل التشريعي والاداري الذي صمم ليمنح السلطة التنفيذية اليد العليا:
رئاسة مجالس القرار: يرأس مجلس ادارة المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي وزير العمل، ويضم المجلس في عضويته وزراء وممثلين عن الجهاز التنفيذي، مما يمنح الحكومة ثقلا مرجحا يطغى على صوت ممثلي العمال واصحاب العمل.
تعيينات الولاء وتمرير الاقتراض: يجري اختيار قيادات مجلس الاستثمار وادارة الصندوق عبر مطبخ القرار الحكومي ذاته، مما يخلق حالة من تضارب المصالح؛ حيث يتحول المؤتمن على اموال المشتركين الى جهة خاضعة لقرارات الجهة المقترضة (وزارة المالية)، فتمرر صفقات الاقتراض الداخلي دون اي سقوف ملزمة تكبح جماح التغول.
ثالثا: مقامرة "المدورة".. هدر المياه وسحق المزارع البسيط
تتجلى اغرب تجارب التدخل غير المدروس في تأسيس "شركة الضمان للاستثمار الزراعي" والاندفاع نحو استصلاح نحو 30 الف دونم في منطقة المدورة والجنوب، ليدخل الصندوق حلبة زراعة البطاطا والاعلاف تحت لافتة "الامن الغذائي":
استنزاف الحوض المائي الاستراتيجي: يُضخ ملايين الامتار المكعبة من المياه الجوفية العذبة والنقية من حوض الديسي التاريخي لري محاصيل تتطلب شراهة مائية هائلة، في بلد يصنف كأحد افقر دول العالم مائيا، دون احتساب الكلفة الاستراتيجية لفقدان هذا المخزون المخصص لمياه الشرب.
سحق صغار المزارعين: بدلا من ان يوجه الصندوق امواله لبناء بنية تحتية تصنيعية كبرى تدعم المزارع المحلي (مصانع تجفيف، تبريد، معالجة، وتعليب)، نزل الى السوق كمنافس غير عادل برأس مال الدولة الضخم، ليضخ آلاف الاطنان من البطاطا، مما تسبب في اغراق السوق وكسر الاسعار، ليقود مزارعي وادي الاردن والجنوب الذين يرزحون تحت القروض وكلف الطاقة نحو الافلاس والتعثر المالي.
لغز الجودة وعقدة التصدير: تعثرت رهانات التصدير وتحقيق العملة الصعبة حين واجهت الشحنات ازمات نفاذ ومواصفات في الاسواق الاقليمية المحيطة، وتحديدا السوق السعودي، بسبب اشكالات فنية في التقاوي التصنيعية ومطابقة المعايير، لترتد المحاصيل الى الداخل وتتحول الوعود الوردية الى تكتم مريب حول ميزانيات التشغيل وكلف الانتاج وصافي الارباح والخسائر.
رابعا: خطيئة التماهي وثمن الامتيازات
ان المسؤولية الجسيمة في هذا المشهد تقع مباشرة على عاتق مجالس الادارة، ولجان الاستثمار، والقيادات التنفيذية للصندوق.
لقد ارتضت هذه النخب الاقتصادية والادارية ان تلعب دور "الميسر" لرغبات الحكومة، مفضلة الاحتفاظ بالرواتب الفلكية، والمكافآت، والبدلات السخية، وعضويات مجالس ادارات الشركات التابعة التي تدر آلاف الدنانير، على حساب خوض معركة الدفاع عن استقلالية الصندوق والتمسك بالمعايير المهنية الصارمة.
ان تحول المؤتمن على شقاء الناس الى مجرد منفذ سياسي هو انهيار كامل لمفهوم الامانة الائتمانية.
ان كراسي المسؤولية زائلة، والتقارير الانشائية لن تمحو حقائق الارقام حين تدق ساعة الحساب الاكتواري. ان كان القائمون على ادارة الصندوق ومجالسه عاجزين عن وضع حد لتغول سندات الخزينة، وايقاف المغامرات الزراعية المشوهة، وتطبيق مبدأ الفصل التام بين مال العمال وموازنة الدولة، فان الخطوة الشجاعة الوحيدة التي تبرئ ذممهم امام الشعب والاجيال هي تقديم استقالاتهم فورا، فالانسحاب بكرامة خير الف مرة من البقاء حراسا على تبديد شقاء الوطن.



