*
الاربعاء: 19 أغسطس 2026
  • 19 أغسطس 2026
  • 21:16
الدجاج ولفة الدهن من يحمي شوارع عمّان   الدكتور زيد احمد المحيسن يكتب
الكاتب: الدكتور زيد احمد المحيسن

كتب الصحفي والإعلامي غيث العضايلة في منشور على صفحته في «فيسبوك»، واصفاً مشهداً  من شوارع عمّان
(شاءت الأسباب أن أسير اليوم بسيارتي، تلك التي لا أحب قيادتها، من السابع باتجاه الرشيد. وعلى الطريق، لم أستطع أن أتجاهل مشهداً بات يتكرر أمام أعيننا حتى أصبح جزءاً من تفاصيل المدينة: سائقي تطبيقات التوصيل، على دراجاتهم، يناورون بين السيارات، يحمل أحدهم فخذة دجاج، ويحمل آخر لفة دُهن، وكأن لقمة العيش أصبحت سباقاً مع الموت
قد تبدو الصورة عابرة لمن يراها من نافذة سيارته، لكنها في الحقيقة تختصر جانباً مؤلماً من حياة مدينة تتغير بسرعة أكبر من قدرة شوارعها وأنظمتها على مواكبة هذا التغيير.
لا ألومهم! حالة العوز تتوسع)
. وربما تكمن أهمية هذه العبارة في أنها تنقل النقاش من لوم العامل الذي يقود دراجته بحثاً عن رزقه إلى السؤال الأهم: ما الذي دفع إنساناً إلى أن يضع حياته على المحك من أجل دخل يومي؟
فالمشكلة ليست في الشاب الذي يحمل طلباً، ولا في المواطن الذي ينتظر طعامه، ولا حتى في السيارة التي تشاركه الطريق. المشكلة في منظومة كاملة نشأت حول اقتصاد التوصيل، بينما بقي تنظيم حركة هذه المنظومة وسلامتها أقل من مستوى توسعها.
في شوارع عمّان المزدحمة، تتحرك الدراجات بين السيارات والحافلات والمشاة، وفي كثير من المواقع من دون مسارات واضحة وآمنة ومخصصة لها. تظهر دراجة فجأة بين المركبات، أو تنحرف أمام سيارة، أو تدخل في زاوية عمياء، فيحدث الاحتكاك أو التوقف المفاجئ، ويبدأ التوتر، وربما المشاجرة، بينما يدفع الجميع ثمن غياب التنظيم.
لكن الإنصاف يقتضي ألا نضع المسؤولية كلها على سائق الدراجة.
فكما أن هناك سائق دراجة يقود بطريقة خاطئة، هناك سائق سيارة يستخدم الهاتف أثناء القيادة، أو يتجاوز السرعة، أو لا يحترم المسافة الآمنة، أو يتعامل مع الدراجة باعتبارها جسماً يمكن تجاهله. والسلامة المرورية لا يمكن أن تقوم على افتراض أن جميع مستخدمي الطريق سيلتزمون بالمثالية.
السلامة الحقيقية تبدأ من هندسة الطريق، ووضوح القواعد، وتطبيق القانون، وتحديد مسؤولية كل طرف.
والأخطر في مشهد سائقي التوصيل أن العامل أصبح الحلقة الأضعف في معادلة «السرعة».
التطبيق يريد تسليم الطلب بسرعة، والمطعم يريد الحفاظ على زبونه، والمواطن يريد طلبه في الموعد، والشركة تريد خدمة أسرع وأكثر تنافسية، بينما الشارع لا يمنح سائق الدراجة دائماً مساحة آمنة.
وهكذا يصبح جسد العامل نفسه هو المنطقة العازلة بين سرعة السوق وقسوة الطريق.
لهذا، فإن الحديث عن الدراجات في عمّان لا ينبغي أن يتحول إلى دعوات لمنعها أو التضييق على أصحابها. الدراجات أصبحت جزءاً من اقتصاد المدينة، وسائقوها أصبحوا جزءاً من منظومة العمل والخدمات، لكن وجودهم في الشوارع يحتاج إلى تنظيم يوازي حجم هذا الانتشار.
نحن بحاجة إلى مراجعة واضحة لشروط عمل شركات التوصيل، وللزمن الذي يُطلب من السائق الالتزام به، وللمسؤولية التي تتحملها الشركات تجاه سلامة العاملين لديها. هل الوقت المحدد لتسليم الطلب واقعي وآمن؟ وهل ينبغي أن يتحمل العامل وحده نتائج التأخير؟ وهل يمكن أن تتحول السلامة إلى معيار أساسي في تقييم شركات التوصيل، بدلاً من أن تكون السرعة هي المعيار الأول؟
وفي الوقت نفسه، تحتاج عمّان إلى التفكير جدياً في البنية التحتية الخاصة بالدراجات، خصوصاً في الطرق والمناطق ذات الكثافة المرورية العالية. فالمسار الآمن ليس رفاهية، بل وسيلة لتقليل الاحتكاك بين مستخدمي الطريق وحماية الجميع.
كما أن الرقابة يجب أن تكون عادلة وشاملة: على سائقي السيارات والدراجات معاً. فالدراجة ليست فوق القانون، والسيارة ليست صاحبة الحق المطلق في الطريق.
ويحتاج مستخدمو الطريق أيضاً إلى ثقافة مرورية مختلفة؛ ثقافة تدرك أن الشارع مساحة مشتركة، وأن حماية الأضعف جزء من مسؤولية الأقوى، وأن احترام الدراجة لا يعني إعفاء سائقها من القانون، كما أن تطبيق القانون على سائق الدراجة لا يعني تركه بلا حماية.
عمّان ليست مدينة صغيرة، وشوارعها لم تعد تحتمل أن نترك تفاصيل السلامة للصدفة وردود الأفعال. كل يوم نشاهد حادثاً، أو شبه حادث، أو توقفاً مفاجئاً بسبب دراجة أو سيارة، ثم نقول: «الحمد لله أنها عدّت على خير».
لكن إلى متى سنظل ننتظر أن «تعدّي على خير»؟
المطلوب ليس أن نلوم الفقير لأنه يبحث عن رزقه، ولا أن نحمل سائق السيارة وحده المسؤولية، ولا أن نمنع الدراجات من شوارع المدينة. المطلوب أن نعترف بأن المدينة تغيرت، وأن أنماط العمل تغيرت، وأن منظومة النقل نفسها يجب أن تتغير معها.
فالذي يحمل فخذة دجاج ليس عدونا، والذي يقود سيارته ليس عدوه، والمواطن الذي ينتظر طلبه ليس عدواً لأحد. الجميع يريد الشيء نفسه: أن يصل إلى وجهته سالماً.
وهنا تبدأ مسؤولية الدولة والبلديات والجهات المنظمة وشركات التوصيل: أن تجعل السلامة حقاً لا صدفة، وأن تجعل لقمة العيش لا تحتاج إلى مقامرة بالحياة.
عمّان تستحق شوارع أكثر تنظيماً، ودراجات أكثر أماناً، وسيارات أكثر انضباطاً، ومشاة أكثر حماية.
وقبل أن نسأل بعد كل حادث: من المخطئ؟
ربما علينا أن نسأل السؤال الأهم
من المسؤول عن أن نمنع الحادث قبل أن يقع؟

مواضيع قد تعجبك