الباب وحده يكشف الدولة!
ليس الدستور. ليس الخطاب. ليس العلم فوق المبنى الرسمي. الباب. لان الدولة الحقيقية هي التي تعرف اين ينتهي بابها واين يبدا باب جارها. والدولة التي لا تعرف حدود ابوابها لا تبتلع المؤسسات فحسب، تبتلع المواطن الذي يقف امامها ظانا انه يقف امام قانون.
عشت هذا. في سورية. وما تعلمته هناك لا يأتي من كتاب.
في الجامعات السورية التي درست فيها كان للحزب باب خاص، وللأمن باب خاص، وللإدارة باب خاص. لكن الابواب الثلاثة كانت احيانا تفتح على غرفة واحدة. وحين لا تعرف اي باب سيفضي الى اي غرفة، تتوقف عن الدخول من اي منها. وهذا بالضبط ما ارادته الدولة: مواطن يقف على العتبة، لا داخلها ولا خارجها، في المسافة التي تصنع الطاعة من الخوف لا من الاقتناع.
واذكر المشهد كما بقي في ذاكرتي: مقر الحزب في بعض المواقع كان يبدو اكثر حضورا وفخامة من مقر الجامعة نفسها. قد تبدو الملاحظة معمارية. هي في الحقيقة سياسية! حين يصبح المبنى الذي يمثل التنظيم السياسي اكثر هيبة من المبنى الذي يمثل العلم، فان الرسالة تصل الى الطالب دون ان تحتاج الى مكبر صوت. الطالب يدخل الجامعة فيرى الحزب قبل ان يرى العلم. والسلطة لا تجلس في الغرفة المجاورة فحسب، تجلس على المنصة ذاتها.
الخوف لا يحتاج ان يرفع صوته. يكفيه ان تعرف ان للصمت ثمنا!
والدولة التي تخاف من مراتها لا تكسرها. تفعل ما هو انعم واخطر وابعد اثرا: تعلم مواطنيها، جيلا بعد جيل، الا ينظروا فيها من الاصل. وحين ينجح هذا التعليم لا تحتاج الدولة الى اجهزة كثيرة. يصبح المواطن هو جهازها الاكثر طاعة، لانه تعلم طوعا ما كان يفرض عليه قسرا.
كنت في سورية حين كانت اسماء الاجهزة الامنية تكفي احيانا لتغيير نبرة الحديث. اما الفرع 235، المعروف بفرع فلسطين، فكان اسمه يحمل تناقضا يكاد يكون فاضحا: فلسطين، اسم القضية التي تحمل في الوجدان العربي معنى الارض والحرية والكرامة، يعطى لفرع وثقت منظمات حقوقية من بينها هيومن رايتس ووتش شهادات عن القتل والضرب والصعق الكهربائي والشبح والتهديد وسوء المعاملة داخله، ووصفه معتقلون سابقون بانه من اكثر مراكز الاعتقال اثارة للخوف. كانت لي تجربتي الشخصية مع احد فروع الامن المرتبطة بالمخابرات الجوية. علقت هناك. وهنا لا احتاج الى استعارة. فقد كنت هناك!
ولهذا حين اسمع اليوم حديثا عن هيبة الدولة، اعرف ان ثمة فرقا هائلا بين الهيبة والخوف. الفرق بينهما مثل الفرق بين الوقوف والركوع: الهيبة تجعل المواطن يقف مستقيما امام القانون، والخوف يجعله يبحث اولا عن الشخص الذي يقف خلف القانون، ثم ينحني.
هنا يظهر عبد الرؤوف الكسم.
مهندس واكاديمي واستاذ جامعي، تولى رئاسة الحكومة السورية من عام 1980 الى عام 1987 في عهد حافظ الاسد، وتوفي في ميونيخ في اكتوبر 2025 عن نحو 93 عاما. والانصاف هنا واجب، لان اختزال الرجل في نظامه ظلم للتاريخ. تشير مصادر عدة الى انه حاول مواجهة فساد كبار الضباط، وان صدامه مع وزير الدفاع انذاك مصطفى طلاس كان وراء ابعاده عام 1987. رجل ربما اراد. ربما حاول. ربما كان نظيفا في مكتبه بينما كان ما حوله يتاكل.
لكن هذا بالضبط ما يجعل سؤاله اكثر قسوة من سؤال اي طاغية: كرسيه كان فارغا من القرار! القرار في المخابرات. القرار في مراكز القوة. القرار في غرف لا يفتحها رئيس الحكومة ولا يغلقها. المؤسسة التي منحته المنصب كانت هي نفسها التي حددت سقف حركته. وعندها يصبح السؤال عن الرجل اقل اهمية من السؤال عن الدولة: ماذا يستطيع رجل مستقيم ان يفعل داخل دولة تحدد سقف استقامته؟ دولة كهذه، حين تحدد هذا السقف، لا تحمي نفسها. تحمي فسادها من ان يرى!
ولهذا اعود الى الاردن بحذر.
وجعفر حسان امامنا اليوم. رجل اكاديمي وسياسي عمل في التخطيط والتعاون الدولي والديوان الملكي والشؤون الاقتصادية، ثم تولى رئاسة الحكومة في سبتمبر 2024. الرجل ما زال داخل التجربة، ولم يغلق التاريخ ملفه. لذلك لا اريد ان اكتب عنه بوصفه بطلا ولا بوصفه خصما. اريد ان اضع امامه سؤالا اكبر من الرجل: ماذا تفعل الدولة برئيس حكومتها؟
في يونيو 2026 طلب حسان من وزير العمل خالد البكار تقديم استقالته بعد عطاءات حكومية تقدم بها نجله، فالغيت العطاءات المعنية. الواقعة اصبحت خبرا. الصحافة ناقشتها. الناس اختلفوا حولها. وبرزت اصوات مقربة من الوزير شككت باكتمال الصورة التي عرضتها الحكومة، وهو نقاش مشروع يستحق المتابعة لا الاسكات.
هذه الجملة الاخيرة ليست تفصيلا. هي الفرق كله!
حين تصبح محاسبة وزير خبرا عاما تتداوله الصحافة ويختلف حوله الناس ويناقش فيه حتى اكتمال الرواية الرسمية نفسها، فهذا يعني ان الدولة لم تبتلع الحدث. يعني ان ثمة مسافة بين السلطة والراي العام لم تردم بعد. وان المواطن ما زال يستطيع ان يقف في تلك المسافة ويسال. الباب هنا يفتح على مساءلة. يفتح على نقاش. يفتح على مواطن يستطيع ان يقول لرئيس حكومته: اخطات، ثم يعود الى بيته.
هذه الواقعة وحدها لا تجعل الاردن دولة مثالية، ولا تمنح رئيس الوزراء صك براءة دائما. لكنها تكشف شيئا جوهريا: رئيس الحكومة يستطيع ان يقول لوزير في حكومته اخرج، والوزير يستطيع ان يغادر، والمواطن يستطيع ان يكتب، والصحفي يستطيع ان يسال، والكاتب يستطيع ان يقارن. انا عشت في مكان كان السؤال فيه يمكن ان يكون اخطر من الجواب! واعيش في بلد استطيع فيه ان اكتب هذه المقارنة. وهذه ليست تفصيلا صغيرا. لكنها ليست نهاية القصة ايضا. لان الكاتب الذي يريد ان يمدح الاردن حقا يجب ان يطالبه دائما بان يكون افضل. والدولة التي تستحق الدفاع عنها تحتاج الى كاتب يحمي معنى الدولة من التشويه، لا الى كاتب يحميها من النقد!
هنا يجب ان يقال ما لا يريد احد سماعه.
المواطن الذي يطالب بمساءلة وزيره ثم يصمت حين تمس مصلحته ليس مواطنا. هو مستهلك للعدالة!
يستهلكها حين تخدمه ويقاطعها حين تكلفه!
والدولة التي يبنيها مستهلكون للعدالة لا تختلف كثيرا في نهايتها عن الدولة التي بناها الخوف، لان كليهما ينتجان في نهاية المطاف تابعا يتحرك بحسب المصلحة اللحظية لا بحسب مبدا يصمد حين يكون صموده مكلفا.
والمواطن الذي لا يسال لا يحمي الدولة. يحمي من يسرقها!
وحين تضيق حدود المؤسسات يكبر ظل السلطة. وحين يكبر ظل السلطة يصغر المواطن!
الدولة القوية شعارها الوحيد: القانون اقوى من الخوف. الدولة الهشة شعارها الحقيقي: الخوف اقوى من القانون. الاولى تحتاج مواطنا. الثانية تحتاج تابعا. والفرق بين الاثنين لا يظهر في الاوقات الهادئة، بل في اللحظة التي يخطئ فيها صاحب السلطة ويسال: من يجرؤ على قول اخطات؟
الدولة الصحية لا تحتاج الى رجل واحد كي تكون دولة. تحتاج الى مؤسسات تبقى حين يتغير الرجال. وهنا تصبح المقارنة بين حسان والكسم عادلة للمرة الاولى حين ننزع عنها الصور والاسماء والاطوال. لا نقارن جسدين وبنيتين متطابقتين. نقارن دولتين. لا نقارن مسيرتين. نقارن حدود السلطة. الكاميرا تضع الرجلين في الاطار ذاته، لكن الكاميرا لا تدخل الجامعة، ولا تسمع همس الطالب، ولا تعرف ماذا يحدث حين يغلق الباب.
انا اعرف. لأني كنت هناك!
رئيس الحكومة ليس الدولة. والدولة ليست رئيس الحكومة. الرجل يتغير. الحكومة تتغير. الوزير يرحل. لكن السؤال يبقى: ماذا تفعل الدولة برئيس حكومتها حين يخطئ؟ والسؤال الاعمق: ماذا يستطيع المواطن ان يفعل حين يخطئ رئيس حكومته؟
الجواب ليس في الصورة. ولا في الاسم. ولا في الطول.
الجواب في الباب. الباب الذي يقرر ان كانت الدولة تحتاج مواطنا او تابعا. الباب الذي يقرر ان كان رئيس الحكومة اكبر من اسمه او اصغر منه. الباب الذي يقرر ان كان القانون اقوى من الخوف او الخوف اقوى من القانون. الباب الذي يقرر، في النهاية، ان كان التاريخ يكتب او يمحى!



