*
الثلاثاء: 18 أغسطس 2026
  • 18 أغسطس 2026
  • 15:12
هل ابتلع العمل عطلتنا الأسبوعية

خبرني - قبل نحو قرن، كان الحصول على يومين متتاليين بعيدًا عن العمل امتيازًا غير مألوف لملايين العمال. أما اليوم، فلا تزال عطلة نهاية الأسبوع مثبتة في التقويم، لكن قدرتها على إيقاف العمل فعليًا باتت موضع شك؛ فالمكتب أصبح داخل الهاتف، والبريد الإلكتروني يصل في كل وقت، وعبارة "سألقي نظرة سريعة" قد تحوّل أيام عطلة نهاية الأسبوع إلى سلسلة من المهام الصغيرة التي تمنع الموظف من الانفصال عن عمله.

وفي الذكرى المئوية لاعتماد شركة فورد أسبوع العمل المكوّن من خمسة أيام عام 1926، يفرض سؤال نفسه على واقع الحياة اليومية: هل ما زالت عطلة نهاية الأسبوع موجودة بمعناها الحقيقي، أم لم يبقَ منها سوى الاسم، بعدما تآكلت الحدود التي كانت تفصل العمل عن الراحة؟

فورد لم تخترع "الويكند"
ترتبط ولادة عطلة نهاية الأسبوع الحديثة في الذاكرة الشعبية باسم رجل صناعة السيارات الأمريكي هنري فورد. ففي الأول من مايو/أيار 1926، اعتمدت مصانع شركة فورد نظام العمل خمسة أيام و40 ساعة أسبوعيا، بدلا من ستة أيام، قبل أن يمتد النظام إلى موظفي المكاتب في أغسطس/آب من العام نفسه.

لكن القول إن شركة فورد "اخترعت الويكند" ليس دقيقا تاريخيا. فقد سبقت خطوتها عقود من نضال النقابات للمطالبة بتقليص ساعات العمل، كما سبقتها تجارب محدودة لتطبيق أسبوع الأيام الخمسة، من بينها تجربة في مصنع نسيج بنيو إنجلاند عام 1908، هدفت إلى مراعاة العمال اليهود الذين يمتنعون عن العمل يوم السبت.

وكانت فكرة الإجازة الأسبوعية نفسها أقدم بكثير؛ إذ تطورت تدريجيا من يوم الراحة الديني إلى المطالبة بإجازة بعد ظهر السبت، ثم بيومين متتاليين. وكانت منظمة العمل الدولية قد أقرت في اتفاقية الراحة الأسبوعية لعام 1921 حق العامل في فترة راحة لا تقل عن 24 ساعة متصلة كل سبعة أيام.

الراحة جزء من عجلة الاستهلاك
لم يكن قرار فورد مبادرة إنسانية خالصة، بل استند إلى حسابات اقتصادية واضحة. رأى هنري فورد أن العامل يحتاج إلى المال والوقت معا كي يشتري السلع ويسافر ويستمتع بالترفيه، بما في ذلك قيادة السيارة التي تنتجها مصانعه. وكان يعتقد أيضا أن ساعات العمل الأقل قد ترفع الإنتاجية وتساعد الشركة على اجتذاب العمال والاحتفاظ بهم.

وهكذا ظهرت مفارقة صاحبت "الويكند" منذ بدايته الحديثة: فهو حق في الراحة، لكنه في الوقت نفسه مساحة للاستهلاك. فاليومان اللذان يبتعد فيهما العامل عن خط الإنتاج يسمحان له بالتسوق وارتياد المطاعم ودور السينما والسفر، أي بإعادة ضخ أجره في الاقتصاد.

ولم يصبح نظام الأربعين ساعة قاعدة أمريكية واسعة بمجرد قرار فورد. فقد صدر قانون معايير العمل العادلة عام 1938، ثم أصبح حد الأربعين ساعة معيارا للعمل الأسبوعي ابتداء من عام 1940، مع إلزام أصحاب العمل بدفع أجر إضافي عن الساعات الزائدة للعاملين الذين يشملهم القانون، وفق وزارة العمل الأمريكية.

حدود عطلة نهاية الأسبوع تآكلت
بعد مئة عام، لا تزال عطلة نهاية الأسبوع قائمة قانونيا واجتماعيا في معظم دول العالم. لكن المشكلة لم تعد في عدد الأيام المكتوبة في العقد، بل في مدى قدرة الموظف على التوقف النفسي والعملي عن أداء وظيفته.

فقد أتاحت الهواتف الذكية ومنصات المحادثة والاجتماعات الافتراضية الوصول إلى الموظف أينما كان. ولم يعد بدء العمل يتطلب دخول المكتب، كما لم يعد مغادرته تعني انتهاء الدوام. قد يكون الشخص في منزله أو في نزهة عائلية، لكنه يقرأ رسالة، أو يراجع ملفًا، أو يرسل ملاحظة إلى زميل، أو يستعد لاجتماع بداية أسبوع العمل الموالي.

والمفارقة أن المرونة التي سمحت للعامل بإنجاز شأن شخصي خلال ساعات العمل سمحت أيضًا للعمل باحتلال أجزاء من وقته الشخصي. وبدلا من وجود حدود ثابتة بين "وقت العمل" و"وقت الحياة"، أصبح الطرفان يتداخلان باستمرار.

ومع استمرار العمل الهجين، لا تبدو الظاهرة عابرة مرتبطة بفترة الجائحة. وتشير بيانات مؤسسة غالوب إلى أن غالبية أصحاب الوظائف القابلة للعمل عن بعد يعملون حاليًا بنظام هجين أو عن بعد، وأن ستة من كل عشرة من هؤلاء يفضلون النظام الهجين.

حين يصبح الرد السريع دليلا على الالتزام
لا يرجع تآكل عطلة نهاية الأسبوع إلى التكنولوجيا وحدها؛ فالأجهزة لا تجبر الموظف بذاتها على الرد، لكن ثقافة المؤسسة قد تفعل ذلك.

في كثير من أماكن العمل، أصبحت سرعة الاستجابة مؤشرا غير معلن على الجدية والتعاون. وقد لا يصدر المدير تعليمات صريحة بالعمل خلال الإجازة، لكن رسالة منه مساء عطلة أسبوع قد تحمل ضغطا ضمنيا يدفع الموظفين إلى الرد، خصوصا إذا اعتاد بعض الزملاء التفاعل فورا.

ويطلق باحثون على الانشغال المستمر بالرسائل والشعور بضرورة الرد عليها سريعا اسم "الضغط الرقمي المرتبط بالعمل" أو Workplace Telepressure. ولا يشترط أن يقضي الموظف ساعات كاملة أمام الحاسوب؛ فقد تكفي حالة التأهب نفسها لمنعه من الراحة. يصبح الهاتف حاضرا على المائدة وفي الرحلات والزيارات، ويظل جزء من الانتباه مخصصا لاحتمال وصول طلب جديد.

وتوضح الجمعية الأمريكية لعلم النفس أن إرسال المديرين رسائل خارج ساعات العمل يدفع الموظفين إلى تقليد هذا السلوك، حتى عندما يضر ذلك براحتهم، وهو ما يجعل حدود العمل مسؤولية مؤسسية، لا مجرد اختبار لقدرة الفرد على ضبط هاتفه، بحسب دليل الجمعية للصحة النفسية في أماكن العمل.

ماذا يحدث عندما لا ينفصل الدماغ عن العمل؟
وجدت المؤسسة الأوروبية لتحسين ظروف المعيشة والعمل "يوروفاوند" أن العاملين من المنزل أكثر عرضة للعمل في أوقات فراغهم؛ إذ بلغت نسبتهم 28%، مقابل نحو 4% ممن يعملون داخل مقار المؤسسات. كما كانوا أكثر عرضة بمرتين لتجاوز 48 ساعة عمل أسبوعيا والحصول على فترات راحة غير كافية.

ولا تتوقف المشكلة عند عدد الساعات، بل تمتد إلى ما يسميه الباحثون "الانفصال النفسي"، أي قدرة الشخص على التوقف عن التفكير في متطلبات العمل بعد انتهاء الدوام. فقد أظهرت دراسة نشرتها دورية "سيكولوجيكا بلجيكا" أن ضغط الرد السريع يدفع الموظفين إلى استخدام هواتفهم في العمل خلال وقتهم الشخصي، مما يضعف قدرتهم على الانفصال؛ فالرد الذي يستغرق دقائق قد يعيد تنشيط القلق بشأن مهمة ويُبقي الذهن منشغلًا بها مدة أطول.

كما ربطت دراسة أمريكية منشورة في دورية "جورنال أوف أوكيبيشنال هيلث سايكولوجي" بين متابعة بريد العمل خارج الدوام والإرهاق العاطفي، وإن اختلف التأثير باختلاف استقلالية الموظف وثقافة المؤسسة.

وقد يبدأ الضرر قبل فتح الرسالة؛ إذ وجدت دراسة في دورية "جورنال أوف مانجمنت" أن مجرد توقع المؤسسة متابعة الموظف للاتصالات المهنية بعد الدوام قد يثير القلق، ويؤثر في صحته ورضاه عن علاقته الأسرية، بل يمتد إلى شريكه، حتى لو لم يقضِ وقتا طويلا في قراءة الرسائل. ووصف الباحثون هذه التوقعات بأنها أشبه بـ"مقود غير مرئي".

عطلة غير مسموح بها للجميع
لا ينطبق تآكل عطلة نهاية الأسبوع بالطريقة نفسها على جميع العمال. فبعض الموظفين يستطيعون التحكم نسبيا في مكان عملهم وساعاته، حتى وإن ظلت الرسائل تلاحقهم، بينما يعمل ملايين الأشخاص أصلًا خلال عطلة الأسبوع في المستشفيات والمتاجر والمطاعم والنقل والأمن وغيرها من القطاعات الخدمية.

وهنا يظهر تفاوت بين من يملكون وقتهم نسبيا، ومن تخضع أوقاتهم لجداول يحددها أصحاب العمل. فقد يتيح العمل الهجين لموظف حضور موعد طبي في منتصف النهار، بينما لا يستطيع عامل متجر اختيار موعد مناوبته أو رفض العمل في نهاية الأسبوع من دون خسارة جزء من دخله.

ولا يعني اعتماد أسبوع رسمي من 40 ساعة أن الجميع يعملون ضمن هذه الحدود. فقد قدرت منظمة العمل الدولية أن أكثر من ثلث العاملين عالميا يعملون بانتظام أكثر من 48 ساعة أسبوعيا، في حين يعمل نحو خُمس القوة العاملة أقل من 35 ساعة، غالبا بسبب العمل الجزئي أو عدم توافر ساعات كافية.

"الحق في الانفصال"
دفع هذا الواقع دولا ومؤسسات إلى تبني مفهوم "الحق في الانفصال"، أي حق الموظف في عدم متابعة الاتصالات المهنية أو الرد عليها خارج ساعات العمل، من دون عقاب أو تقييم سلبي.

وأقرت فرنسا هذا الحق قانونيا عام 2017، بينما اتخذت دول أوروبية أخرى إجراءات متفاوتة لتنظيمه. وخلال عامي 2024 و2025، أجرت المفوضية الأوروبية مشاورات مع ممثلي العمال وأصحاب الأعمال بشأن تنظيم العمل عن بعد والحق في الانفصال. وحتى أغسطس/آب 2026، ظل الملف حاضرا في النقاش الأوروبي حول الوظائف الجيدة ومستقبل العمل، بحسب المفوضية.

لكن التشريعات وحدها قد لا تكفي إذا تجاوزت أعباء العمل الوقت المتاح لإنجازها، أو استمر المديرون في إرسال الطلبات ليلا وخلال العطلات. فالحق النظري في تجاهل الرسالة تصعب ممارسته عندما يعتقد الموظف أن مستقبله المهني يعتمد على سرعة الرد.

هل اختفت عطلة نهاية الأسبوع؟
من المبالغة القول إن عطلة نهاية الأسبوع اختفت تمامًا؛ فهي لا تزال تنظم الدراسة والمباريات والزيارات العائلية والرحلات، وتمنح المجتمع وقتًا مشتركًا لا توفره الإجازات الفردية المتفرقة.

لكن ما يتراجع هو فكرة "التوقف الكامل". فبالنسبة إلى شريحة من العاملين، لم يعد "الويكند" فترة متصلة من الراحة، بل مزيجا من الحياة الشخصية ومهام العمل القصيرة. وقد لا يعمل الموظف ثماني ساعات في عطلته الأسبوعية، لكنه لا يتحرر تمامًا من وظيفته أيضًا.

وهكذا، لا تكمن الأزمة في اختفاء يومين من التقويم، بل في تفككهما إلى فترات قصيرة تقاطعها الإشعارات والتوقعات والاستعداد الدائم للعودة إلى العمل. وبعد مئة عام على مساهمة فورد في ترسيخ أسبوع العمل من خمسة أيام، لم يعد التحدي انتزاع عطلة نهاية الأسبوع، بل حمايتها من عمل يستطيع الوصول إلى الموظف في أي وقت ومكان.

مواضيع قد تعجبك