خبرني - قد يمتد أثر كلمة قاسية أو انتقاد متكرر خلال الطفولة إلى سنوات طويلة، ليظهر لاحقًا في صورة خوف من الخطأ أو شعور بالذنب والقلق عند مواجهة احتمال الفشل، لكن دراسة جديدة تشير إلى إمكانية تخفيف التأثير العاطفي لهذه الذكريات حتى بعد الوصول إلى مرحلة البلوغ.
وتوصل باحثون من جامعة "SWPS" ومعهد نينكي لعلم الأحياء التجريبي في بولندا إلى أن بعض تقنيات العلاج النفسي المعتمدة على الصور الذهنية قد تساعد الأشخاص على التعامل بصورة مختلفة مع ذكريات النقد المؤلمة في الطفولة، وتقليل الخوف من الفشل المرتبط بها.
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة "Frontiers in Psychology"، بعد تجربة سريرية تابعت تأثير عدة أساليب علاجية على شباب يعانون من الخوف من الفشل.
عندما يبقى انتقاد الطفولة حاضرًا
تنطلق الدراسة من فكرة أن التجارب الصعبة خلال السنوات الأولى من العمر، مثل النقد المستمر أو الإهمال أو ردود الفعل القاسية من مقدمي الرعاية، قد تترك آثارًا نفسية تستمر إلى مرحلة البلوغ.
وتكتسب طريقة تعامل البالغين مع أخطاء الطفل أهمية خاصة، إذ قد يؤدي ربط الخطأ بالتقليل من قيمة الطفل أو توجيه انتقادات قاسية إليه إلى ترسيخ اعتقاد لديه بأن الفشل سيجعله أقل قيمة أو قبولًا لدى الآخرين.
وقد يظهر ذلك لاحقًا في صورة قلق مفرط من ارتكاب الأخطاء، أو تجنب المواقف التي تنطوي على احتمال الفشل، إلى جانب مشاعر سلبية مثل الخوف والحزن والذنب.
وحاول فريق من مختبر علم الأعصاب العاطفي في بوزنان، التابع لمعهد علم النفس بجامعة "SWPS"، بالتعاون مع مختبر تصوير الدماغ في معهد نينكي بوارسو، معرفة ما إذا كان تغيير الطريقة التي يستعيد بها الشخص هذه الذكريات يمكن أن يقلل من تأثيرها الحالي.
180 شابًا في التجربة
وشملت التجربة السريرية العشوائية 180 شخصًا تراوحت أعمارهم بين 18 و35 عامًا، وجميعهم يعانون بدرجات مختلفة من الخوف من الفشل.
وعلى مدار أسبوعين، خضع المشاركون لأربع جلسات علاجية تمحورت حول ذكريات مؤلمة من الطفولة ارتبطت بتعرضهم للنقد.
وقسم الباحثون المشاركين إلى ثلاث مجموعات، استخدمت كل واحدة منها أسلوبًا مختلفًا في التعامل مع تلك الذكريات.
واعتمدت المجموعة الأولى على تقنية "التعرض بالصور"، إذ طُلب من المشاركين استحضار المواقف القديمة التي أثارت لديهم الخوف أو القلق.
أما المجموعة الثانية، فخضعت لتقنية تعرف باسم "إعادة صياغة الصور الذهنية"، وفيها يستعيد الشخص الموقف المؤلم، لكنه يعيد بناء أحداثه ذهنيًا بطريقة مختلفة.
فعلى سبيل المثال، يتخيل المشارك دخول شخص داعم إلى المشهد، مثل معالج نفسي، لمواجهة الشخص الذي يوجه الانتقاد والدفاع عن الطفل وتقديم الدعم والحماية له.
واستخدمت المجموعة الثالثة الأسلوب نفسه، لكن بعد تأخير مدته عشر دقائق، بهدف اختبار ما إذا كان التدخل في طريقة استقرار أثر الذاكرة قد يعزز النتائج العلاجية.
الخوف يتراجع
ولم يعتمد الباحثون على إجابات المشاركين فقط، بل استخدموا استبيانات ومقابلات إلى جانب قياس بعض الاستجابات الفسيولوجية المرتبطة بالتوتر.
وأظهرت النتائج أن الأساليب الثلاثة ارتبطت بانخفاض واضح في الخوف من الفشل، كما تراجعت لدى المشاركين مشاعر سلبية أخرى، من بينها الحزن والشعور بالذنب.
واللافت أن التغير لم يقتصر على المشاعر المبلغ عنها، إذ سجل الباحثون انخفاضًا في الاستجابات الفسيولوجية عند استحضار ذكريات النقد.
ويشير ذلك إلى أن تذكر التجربة القديمة لم يعد يثير الدرجة نفسها من الاستجابة الجسدية المرتبطة بالتوتر.
واستمرت التحسينات خلال تقييمات المتابعة التي أجريت بعد ثلاثة أشهر وستة أشهر، ما يشير إلى أن أثر التدخل لم يكن مؤقتًا فقط.
وقالت الباحثة المشاركة في الدراسة جوليا باتشيك إن النتائج تظهر إمكانية تقليل شدة المشاعر السلبية والاستثارة المرتبطة بذكريات النقد خلال الطفولة.
وأضافت أن استخدام التقنيات المناسبة يمكن أن يؤثر في الطريقة التي يعيش بها الشخص هذه الذكريات، ويجعل استحضارها أقل عبئًا من الناحية النفسية.
عنصر المفاجأة
ورصد الباحثون عاملًا آخر قد يؤدي دورًا مهمًا في نجاح تقنية إعادة صياغة الصور الذهنية، وهو "المفاجأة".
ويحدث ذلك عندما تختلف النهاية الجديدة التي يتخيلها الشخص بصورة كبيرة عما يتوقع حدوثه بناءً على تجربته الأصلية.
فالشخص الذي يتوقع، استنادًا إلى ذاكرته، التعرض للنقد أو الإهانة، يجد في السيناريو الجديد شخصًا يدافع عنه ويمنحه الأمان والدعم.
ويربط الباحثون هذا التناقض بما يعرف بـ"خطأ التنبؤ"، أي الفارق بين ما يتوقع العقل حدوثه وما يحدث بالفعل في السيناريو الجديد.
ويرى الفريق أن هذه المفاجأة قد تساعد في إضعاف بعض الأنماط العاطفية القديمة وفتح المجال أمام بناء استجابة مختلفة تجاه الذكرى.
وقال الباحث ستانيسواف كاركوش إن الدراسة أظهرت أهمية خلق تباين بين توقعات المريض وما يحدث في الصورة الذهنية الجديدة، معتبرًا أن عنصر المفاجأة قد يمهد الطريق أمام تغير علاجي أكثر استمرارية.
هل يمكن تغيير أثر الذكريات؟
لا تعني التقنية محو الماضي أو تغيير حقيقة ما حدث، وإنما تستهدف تعديل الاستجابة العاطفية التي تظهر عند استعادة التجربة.
وتشير النتائج إلى أن بعض الذكريات المؤلمة لا يتعين بالضرورة أن تحتفظ بالشحنة النفسية نفسها طوال حياة الشخص، إذ يمكن إعادة التعامل معها بطريقة تجعلها أقل تأثيرًا في المشاعر والسلوك الحاليين.
ويرى الباحثون أن منح التجربة القديمة نهاية ذهنية أكثر أمانًا ودعمًا قد يساعد بعض الأشخاص على التعامل بصورة مختلفة مع مواقف الفشل والتحديات في حياتهم الحالية.
وأكدت باتشيك أن التجارب الماضية ليست بالضرورة ثابتة في تأثيرها العاطفي، وأن الطريقة التي يتعامل بها الإنسان معها يمكن أن تتغير بمرور الوقت، حتى وإن ظلت تفاصيل الحدث نفسه جزءًا من ذاكرته.



