من خلال تخصصي في علم السياسية أيقنت ان الانتخابات هي وسيلة لتجديد الشرعية وتوحيد المجتمع وإعادة بناء النظام السياسي على قاعدة التمثيل الشعبي. لكن حين تأتي انتخابات بعد عقدين من التعطيل، ومن دون توافق وطني، وفي ظل حرب وانقسام جغرافي وسياسي، وتحت سقف هندسات قانونية وإدارية متلاحقة، فإن الانتخاب لا يحدد من سيفوز؟ بل تحدد النتيجة أي فلسطين ستفرزها هذه الانتخابات ؟؟
ومن هنا أنطلق في المشهد.فقد تم عمل مرسوم رئاسي فجأة يحدد عدد الأعضاء على أن يُستكمل العدد بالتعيين، ليست تفصيلاً إجرائياً. ناهيك عن من يمثلون الخارج والشتات، فإننا نكون أمام معادلة يصبح فيها التعيين أوسع من الانتخاب، أي أن المجلس الذي يفترض أن يكون عنواناً للتمثيل الشعبي قد يصبح، في تركيبته النهائية، أقرب إلى مجلس مُفصل سياسياً منه إلى مجلس تنتجه صناديق الاقتراع.أو لنقل قد تم خياطته بحرفية .
وهنا تسقط الورقة عن المسرح، وتظهر الحقيقة.
الانتخابات التي يكون نصفها تقريباً قابلاً للتعيين ليست انتخابات لتجديد الشرعية، بل انتخابات لإعادة توزيع الشرعية.
وهذه العملية لا تحدث في فراغ. فهي تأتي في لحظة يجري فيها، منذ سنوات، تفكيك الجغرافيا السياسية الفلسطينية إلى كيانات منفصلة، غزة لها واقعها، والضفة لها واقعها، والقدس لها وضعها، والشتات خارج المعادلة الانتخابية المباشرة. وإذا جاءت الانتخابات التشريعية من دون انتخابات رئاسية متزامنة، ومن دون إعادة بناء منظمة التحرير على أساس تمثيلي شامل، فإنها قد تنتهي إلى تكريس الانفصال بدلاً من معالجته.
فهل نحن أمام انتخابات تعيد توحيد الفلسطينيين، أم أمام عملية سياسية تعيد تعريف الفلسطينيين بوصفهم سكاناً لمناطق منفصلة، لكل منطقة تمثيلها وإدارتها وشرعيتها؟ وربما نتيجتها ما بين السيناريو الممكن والسيناريو المرغوب .
وللبعض أقول هذه ليست مسألة قانون انتخاب فحسب. إنها مسألة هوية وطنية. لأنها يمكن أن تنتج نظاماً سياسياً أكثر انقساماً مما كان عليه قبلها.
والمفارقة أن مشاركة حماس، التي غادرت على ما يبدو مربع التردد ودعت أنصارها إلى التسجيل، لا تُسقط هذا الخطر، بل تجعل المعركة أكثر تعقيداً. ولنفترض شاركت حماس، فهل يُسمح لها بالمشاركة فعلاً، أم يُسمح لها فقط بالدخول إلى المسرح ضمن قواعد مصممة مسبقاً لمنعها من الوصول إلى مركز القرار؟
فالمشاركة شيء، وتكافؤ الفرص شيء آخر.
وهنا تدخل إسرائيل، لا بوصفها مراقباً، بل باعتبارها عاملاً حاسماً في البيئة السياسية والأمنية للانتخابات. فمن الصعب تصور انتخابات فلسطينية حرة ونزيهة تماماً في ظل الاحتلال، والاعتقالات، والاغتيالات ، والتحكم بالحركة، والسيطرة على القدس، والضفة الغربية والمعابر، وإمكان التأثير في المرشحين والحملات والناخبين. وإذا أضيف إلى ذلك موقف دولي يشترط مسبقاً من يحق له المشاركة ومن لا يحق له، فإن صندوق الاقتراع يصبح محكوماً بسقف سياسي قبل أن يُفتح….
والاشكالية ليس أن تفوز هذه القوة أو تخسر تلك. بل أن يصبح الانقسام نفسه هو الشرعية الجديدة.لنصل لنتيجة مؤكدة ان الانتخابات تمت هندستها مخابراتيا .
قد تستيقظ فلسطين بعد الانتخابات على مجلس تشريعي في الضفة، وسلطة أمر واقع في غزة، وسلطة لا تزال تبحث عن إعادة تعريف دورها، وشتات خارج صناديق الاقتراع، ورئاسة مؤجلة أو مصممة بعناية، ومجلس وطني تتوزع مقاعده بين المنتخب والمعين. عندها لن نكون أمام تجديد للنظام السياسي، بل أمام إعادة إنتاجه على هيئة جزر سياسية متجاورة، لا منظومة وطنية واحدة.
وهنا فعلا يصبح العنوان الحقيقي للمشهد مسرحية الانتخابات.
لأن التلاعب لا يكون دائماً داخل صندوق الاقتراع، قد يبدأ قبل الصندوق بكثير، عند تصميم القانون، وتحديد عدد المقاعد، وشروط الترشح، وتوزيع الدوائر، وتحديد من ينتخب ومن يُعيّن، ومن يُستبعد ومن يُسمح له بالدخول.
وأخاف أن يخرج الجميع من المسرح وهم يظنون أنهم شاركوا في بناء عملية سياسية ، بينما تكون العملية نفسها قد استُخدمت لبناء واقع فلسطيني جديد أكثر عبثا و مجزأ، منزوع القدرة على الفعل، ومهيأ للتعايش مع ما هو مخطط له باعتباره أمراً طبيعياً.
عندها فقط، ستكتشف فلسطين أن المعركة لم تكن على مقاعد المجلس، بل على من يملك حق تعريف فلسطين نفسها، ما بين الضفة الغربية وغزة ورام الله .



