في السياسة الأردنية ظاهرة تستحق الرصد بسخرية مريرة: مسؤولون غادروا الوزارة، لكن الوزارة لم تغادرهم. خرجوا من الباب، وبقيت عيونهم معلّقة بالكرسي، تترقب أول إشاعة عن تعديل وزاري.
ما إن تقترب «رائحة» التعديل حتى تبدأ ماكينة الظهور: اتصال بصحفي، تصريح محسوب، مقابلة مفاجئة، وتحليل ينتهي ــ يا للصدفة! ــ إلى أن «المرحلة تحتاج إلى أصحاب الخبرة».
وهنا يظهر «أبو العريف»؛ وزير سابق تجاوز الثمانين، لكنه لا يزال يملك رأيًا في كل شيء، خصوصًا في السؤال الذي يعنيه وحده: من سيكون الوزير القادم؟
بعضهم لا يكتفي بتحليل الأحداث، بل يعيد كتابة سيرته الذاتية على الهواء: بطولة هنا، وموقف «تاريخي» هناك، وقصة لم يسمع بها أحد. حتى الغمزة من الأرض يمكن أن تتحول إلى رسالة سياسية تحتاج إلى فك شيفرة
المشكلة ليست في المبالغة، بل حين يتحول الإعلام إلى مكتب علاقات عامة مجاني لاستعادة المنصب، ويصبح «الخبير السياسي» اسمًا مستعارًا لطموح قديم يرفض التقاعد.
والإنصاف يقتضي القول: إن كان صاحب الرواية يعرف أنها مختلقة، فهذه مبالغة أو كذب سياسي؛ أما إن كان يؤمن فعلًا بأحداث لم تقع، فذلك شأن مختلف يتعلق بالذاكرة أو الإدراك، ولا يصح تحويله إلى مادة للسخرية.
المشكلة الأوسع هي ثقافة سياسية تجعل بعض المسؤولين السابقين يعتقدون أن الخبرة تعني احتكار الفرصة، وأن طول المكوث في المناصب يمنح صاحبه حق العودة إليها كلما سنحت الفرصة.
والأغرب أن بعضهم يظهر عند كل تعديل بـ«لوك» جديد، ومظهر في الأربعينيات، وفوتوشوب متعوب عليه، وكأن الدولة لا تملك غير الأسماء ذاتها
الوزارة ليست إرثًا، والكرسي ليس ملكية خاصة، والخبرة ليست صك احتكار، والتاريخ لا يمنح المناصب بالتقادم.
أحيانًا يكون أرقى موقف سياسي للوزير السابق أن يقول: «أخذنا فرصتنا... وحان الوقت لغيرنا».
أما أن يغادر الكرسي بجسده ويبقى جالسًا عليه في خياله، فهذه ليست خبرة سياسية... بل حنين مزمن إلى السلطة.
أريحونا واستريحوا؛ فقد أخذتم فرصكم، وبعضكم أخذ أكثر من فرصة.
فالأردن ليس ناديًا مغلقًا للوزراء السابقين، والوزارة ليست مقعدًا محجوزًا باسم أحد.
والغمزة الحقيقية للطيّار ليست: «أعدني إلى الكرسي»... بل
(حلّقوا من دوني، فقد حان دور جيل آخر)



