*
الاحد: 16 أغسطس 2026
  • 16 أغسطس 2026
  • 23:03
البنك المركزي يهدف لرفع مالكي الحسابات المالية إلى 65 بحلول عام 2028 ماذا يعني ذلك
الكاتب: الدكتورعبدالله فؤاد الخـب

كباحث ومتخصص في الشمول المالي والتكنولوجيا المالية أرى انه عندما يضع البنك المركزي الأردني هدفاً برفع نسبة البالغين الذين يمتلكون حسابات لدى المؤسسات المالية الرسمية من 43.1%  في عام 2022 إلى 65% بحلول عام 2028، فإننا لا نتحدث، برأيي، عن مجرد مؤشر رقمي تسعى المؤسسات المالية إلى تحقيقه، بل عن تحول اقتصادي واجتماعي ومصرفي أوسع في المملكة.

وبحكم اهتمامي البحثي بالشمول المالي والتكنولوجيا المالية، أرى أن قراءة هذا الهدف يجب ألا تبدأ من سؤال: كم حساباً جديداً سيتم فتحه في السنوات القادمة؟ وإنما من سؤال أكثر أهمية: كيف يمكن أن نجعل المزيد من الأفراد جزءاً فعّالاً ومستداماً من النظام المالي الرسمي؟ فالفرق بين السؤالين كبير، وهو في جوهره الفرق بين امتلاك الحساب المالي وبين الشمول المالي الحقيقي.

برأيي ان امتلاك الحساب... نقطة البداية وليس الهدف النهائي، وأن أحد الأخطاء الشائعة هو اختزال مفهوم الشمول المالي في عدد الحسابات المفتوحة. فقد يمتلك الفرد حساباً مصرفياً، لكنه يستخدمه فقط لاستلام راتبه ثم يسحب كامل المبلغ نقداً. فهل يمكن اعتبار ذلك شمولاً مالياً متكاملاً؟ الجواب: لا. ببساطة لان الحساب المالي هو بوابة الدخول إلى النظام المالي، لكن القيمة الحقيقية تبدأ عندما يستخدم الفرد هذا الحساب في الدفع والتحويل والادخار والوصول المسؤول إلى التمويل والتأمين وغيرها من الخدمات التي تساعده على إدارة حياته المالية بصورة أفضل.

ولهذا فإن استهداف رفع استخدام المدفوعات الرقمية بالتوازي مع رفع ملكية الحسابات يحمل أهمية كبيرة؛ لأنه ينقل التركيز تدريجياً من الوصولAccess  الى الاستخدام Usage، أي من مجرد الوصول إلى الخدمات المالية إلى استخدامها بصورة فعلية.

إذا نجحنا في الوصول إلى 65%، فهذا يعني ببساطة أن ما يقارب اثنين من كل ثلاثة بالغين سيكونون داخل النظام المالي الرسمي. لكن الأهم من الرقم نفسه هو: من هم الأفراد الذين يشكلون النسبة المتبقية التي نريد الوصول إليها؟ هنا، في اعتقادي، يكمن التحدي الحقيقي. فالانتقال من المستويات الحالية إلى 65% قد يتطلب الوصول إلى شرائح تختلف عن العميل المصرفي التقليدي؛ مثل بعض أصحاب الدخول المحدودة، والعاملين لحسابهم الخاص، والشباب، والنساء الأقل وصولاً للخدمات المالية، وأصحاب الأعمال متناهية الصغر، والأفراد الذين ما زال اعتمادهم على النقد مرتفعاً. وهذه الشرائح لا تحتاج بالضرورة إلى المزيد من المنتجات التقليدية، بل تحتاج إلى منتجات أبسط، وأقل تكلفة، وأكثر مرونة، وأسهل في الوصول والاستخدام.

وهنا يظهر الدور الحقيقي للتكنولوجيا المالية. من وجهة نظري كباحث في هذا المجال، فإن أهمية التكنولوجيا المالية في الشمول المالي لا تكمن فقط في تحويل الخدمات المصرفية التقليدية إلى تطبيقات إلكترونية، بل في قدرتها على تغيير اقتصاديات تقديم الخدمة المالية نفسها. فعندما تنخفض تكلفة الوصول إلى العميل وخدمته، يصبح من الممكن للمؤسسات المالية خدمة شرائح كان الوصول إليها سابقاً مكلفاً أو غير مجدٍ اقتصادياً من خلال نموذج الفروع التقليدي.

الشمول المالي لا يتعلق بالأفراد فقط. فالمنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة تمثل جزءاً أساسياً من أي استراتيجية حقيقية للشمول المالي. ومن خلال البحث في هذا المجال، أرى أن إحدى أكبر الفرص التي يوفرها التحول الرقمي تتمثل في إمكانية بناء تاريخ مالي رقمي لهذه المنشآت. فعندما تمر المدفوعات والمبيعات والتحويلات من خلال النظام المالي الرسمي، تصبح هناك بيانات يمكن استخدامها لفهم التدفقات النقدية والنشاط الاقتصادي بصورة أفضل، وهو ما قد يساعد مستقبلاً في تطوير نماذج تقييم ائتماني أكثر مرونة وتقليل الاعتماد الحصري على الضمانات التقليدية. وهنا يصبح الشمول المالي مرتبطاً بصورة مباشرة بالنمو الاقتصادي وخلق فرص العمل ودعم ريادة الأعمال.

إذا أردت تلخيص رؤيتي لهذا الهدف في نقطة واحدة، فسأقول:

لا ينبغي أن يكون هدفنا فقط الوصول إلى 65% من مالكي الحسابات، بل الوصول إلى 65% من المستخدمين الفعليين للنظام المالي. فالنجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الحسابات المفتوحة فقط، وإنما بأسئلة أكثر عمقاً:

هل يستخدم المواطن حسابه بانتظام؟ وهل يدفع رقمياً؟ وهل يستطيع الادخار؟ وهل يمكنه الحصول على التمويل المسؤول عند الحاجة؟ وهل يفهم المنتجات المالية التي يستخدمها؟ وهل يثق بالنظام المالي والقنوات الرقمية؟.

فالشمول المالي ليس مشروعاً لفتح المزيد من الحسابات، بل مشروع لتمكين الأفراد والمنشآت من المشاركة بصورة أوسع وأكثر فاعلية في الاقتصاد.

 

مواضيع قد تعجبك