*
الاحد: 16 أغسطس 2026
  • 16 أغسطس 2026
  • 20:31
هل يصلح العسكري للسياسة
الكاتب: محمد صبيح الزواهرة

عطفًا على أسلوب رئيس مجلس النواب الحالي في التعامل مع زملائه النواب، أرى أن من المفيد إعادة طرح سؤال قديم ومتجدد: هل يصلح العسكري لممارسة العمل السياسي؟
غالبًا ما ينتهي النقاش إلى إجابات حاسمة: العسكري لا يصلح للسياسة، أو أن خبرته العسكرية تجعله أكثر قدرة على القيادة. لكن كلا الموقفين يحمل قدرًا من التبسيط؛ فالمسألة، في تقديري، لا تتعلق بالمهنة السابقة بقدر ما تتعلق بقدرة الإنسان على الانتقال من منطق المؤسسة إلى منطق الدولة.
العسكرية والسياسة تنطلقان بالفعل من بيئتين مختلفتين، لكنهما تلتقيان في مساحات مهمة: القيادة، وتحمل المسؤولية، وإدارة الأزمات، واتخاذ القرار في ظروف معقدة. وهذه أدوات يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة في العمل السياسي، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة سياسي ناجح.
فالسياسة ليست نقيض الانضباط، كما أن العسكرية ليست مجرد أوامر وتنفيذ. السياسي الناجح يحتاج إلى الحسم عندما تقتضي الضرورة، والقائد العسكري يحتاج بدوره إلى التقدير وقراءة الواقع وفهم البشر. لكن الفارق الجوهري يكمن في طبيعة الشرعية التي يستند إليها القرار، وطريقة الوصول إليه، وحدود ممارسة السلطة.
في المؤسسة العسكرية، يكون التسلسل القيادي واضحًا، وتكون العلاقة بين الأمر والتنفيذ محددة. أما في السياسة، فالمشهد أكثر تعقيدًا؛ هناك نواب وكتل وأحزاب ومعارضة ومؤسسات ورأي عام ومصالح واتجاهات متعددة. ولذلك لا يمكن إدارة المجال السياسي بمنطق الأمر وحده؛ فالقوة السياسية لا تكمن دائمًا في القدرة على فرض القرار، بل في القدرة على الإقناع وبناء التوافق وإدارة الاختلاف.
ولهذا، ربما يكون السؤال الأدق ليس: هل يصلح العسكري للسياسة؟ وإنما: هل استطاع العسكري، بعد انتقاله إلى السياسة، أن يغيّر أدواته دون أن يفقد خبرته؟
فمن يدخل السياسة بعقلية " الأمر والتنفيذ" سيجد نفسه أمام بيئة لا يمكن إدارتها بهذه الطريقة. أما من يدخلها بخبرته في القيادة والانضباط وإدارة الأزمات، ويضيف إليها مهارات الحوار والتفاوض والتعددية وقبول الاختلاف، فقد يمتلك فرصة حقيقية للانتقال من قائد مؤسسة إلى رجل دولة.
والأمر نفسه ينطبق على المدني؛ فليس كل مدني مؤهلًا لممارسة السياسة لمجرد أنه لم يأتِ من المؤسسة العسكرية. السياسة تحتاج إلى معرفة وخبرة وقدرة على قراءة المجتمع وفهم المؤسسات وإدارة المصالح والتناقضات. لذلك، فإن اختزال الكفاءة السياسية في الخلفية المهنية، سواء كانت عسكرية أو مدنية، هو خطأ في تقييم الأشخاص.
التجارب السياسية تقدم نماذج لعسكريين نجحوا في الانتقال إلى السياسة، ونماذج أخرى أخفقت عندما بقيت عقلية المؤسسة أقوى من متطلبات الدولة. وهذا يؤكد أن الانتقال الحقيقي لا يكون بتغيير الموقع فقط، وإنما بتغيير أدوات التفكير والممارسة.
وفي الحالة البرلمانية تحديدًا، تبدو المسألة أكثر حساسية؛ لأن رئيس مجلس النواب لا يدير مؤسسة عسكرية ولا يقود تشكيلًا هرميًا، بل يترأس مؤسسة دستورية تضم ممثلين منتخبين عن الشعب، تختلف آراؤهم ومواقفهم واتجاهاتهم. ومن هنا، فإن قوة الرئيس لا تُقاس بقدرته على إسكات الاختلاف، وإنما بقدرته على إدارة الاختلاف بعدالة، وحماية حق الجميع في التعبير، والحفاظ على هيبة المؤسسة دون أن تتحول الهيبة إلى هيمنة.
أرى أن المهنة لا تصنع سياسيًا ناجحًا أو فاشلًا بصورة آلية. الذي يصنعه هو الوعي بطبيعة المجال الذي انتقل إليه، والقدرة على فهم أن إدارة مؤسسة سيادية مثل مجلس النواب ليست كإدارة مؤسسة، وأن المعارضة ليست عصيانًا، وأن التفاوض ليس تراجعًا، وأن مراجعة الموقف ليست ضعفًا.
العسكرية قد تمنح صاحبها خبرة ثمينة في القيادة، لكنها لا تمنحه تلقائيًا أدوات السياسة. والسياسة بدورها لا تلغي قيمة الخبرة العسكرية، بل تختبر قدرة صاحبها على تحويلها إلى أدوات جديدة.
وهنا تحديدًا يكمن الفاصل بين من يحمل رتبة سابقة ويمارس السياسة، وبين من ينجح فعلًا في التحول إلى رجل دولة.

مواضيع قد تعجبك