*
الاثنين: 05 أكتوبر 2026
  • 05 أكتوبر 2026
  • 15:07
في عيد المعلم إنت معلم وأثرك فراشة
الكاتب: عماد داود

غادر عالم أرصاد غرفته ليشرب قهوة. وحين عاد كان حاسوبه قد اخترع طقسا آخر!

السبب ثلاث خانات حذفت من رقم.

كان الحاسوب يحفظ 0.506127، وطابعته تكتب 0.506. أعاد العالم إدخال الرقم المطبوع ليكمل التجربة من منتصفها.

الفرق أقل من واحد في الألف!

وبعد شهرين من الطقس المحاكى، صار الطقسان غريبين عن بعضهما.

ولهذه الغرابة اسم طار بعد ذلك في كل اتجاه: الفراشة. جاء عنوانا لمحاضرة عام 1972، وصار اسم الظاهرة: أصغر فرق في البداية يكتب أكبر فرق في النهاية.

ولم يقف الاسم عند الطقس. انتقل إلى الخطب. واليوم، 5 تشرين الأول، يوم المعلم العالمي، تتلى عبارات الشكر وتوزع شهادات التقدير، ثم يعود الصباح إلى جدوله.

وتبلغ التوصية الدولية الصادرة عام 1966 بشأن أوضاع المدرسين عامها الستين. هي أصل هذا اليوم: وثيقة تضع معايير للإعداد والتعيين وظروف العمل، سبقت القصائد والورود.

وفي لهجتنا يقال للماهر: إنت معلم. يقولها الزبون للسباك حين يتوقف التسريب. نتيجة تظهر في اللحظة.

أما ما يفعله المعلم فتتأخر نتيجته سنوات، وتظهر في بيت لا يعرف اسمه. وإلى أن تظهر، يكفي الناس رقم.

والورود تذهب إلى صاحب السبورة، وتبقى الطابعة في مكانها. في المدارس كلها طابعة تشبه تلك: تستقبل الطفل بكل ما فيه، وتسلمه بعد اثني عشر عاما رقما قصيرا اسمه المعدل.

كل نظام يختصر. هذا طبع الأنظمة، فلا لوم فيه على وزير ولا على مديرة مدرسة.

لكن في كل صف اثنان. أحدهما مختصر يعرفه النظام، والآخر كامل يعرفه مدرس على الأقل.

أما ما حذف من الرقم فله قارئ واحد. هو الذي يلاحظ الطفل الذي توقف عن رفع يده، والولد الذي يجيد الكتابة ويتقن إخفاء ذلك.

وأغلب هؤلاء القراء نساء. سبعة من كل عشرة معلمين في الأردن معلمات، بحسب الكتاب الإحصائي السنوي لعام 2024.

تختفي هذه من المعدل، ويمضي تقرير الطقس كأن شيئا لم يكن.

والدليل في ذاكرتك. استحضر أستاذا بعينه. الأرجح أن حصة القواعد لم تبق منه، وأن جملة قالها في ممر بقيت.

ربما نطق بها وهو يحمل دفاتر الصف كله، وقد رن الجرس وبقيت له ثانيتان. قال الجملة ومضى إلى بيته، وأقامت هي فيك عقودا!

ولو سألته عنها بعد سنين، فقد لا يتذكر أنه قالها. وللجملة الجارحة إقامتها كذلك، وقائلها ينساها هي الأخرى.

والعاصفة تبدأ من مقعد أخير. المستقبل لا يصل إلى الصف بثياب المستقبل. يصل طفلا يجلس في آخر المقاعد، ويرفع يده بخجل، فيخطئ في الإجابة.

وقد يقرر في تلك اللحظة أن يصمت إلى الأبد. وقد يحدث العكس: يبتسم أستاذ ويمنحه فرصة ثانية، فتعود اليد إلى الارتفاع.

وصاحب الفراشة نفسه ترك الباب مفتوحا في الاتجاهين: الجناح الذي قد يصنع عاصفة قد يمنع عاصفة كانت ستأتي. الأثر يعد بالحجم، ويترك الاتجاه لصاحب الجناح.

وللصمت وزنه هو الآخر. اليد التي لم يلتفت إليها أحد، والجملة التي لم تقل، تصنعان عواصف لا تدخل أي سجل.

الفراشة لا تعلم أنها فراشة. وصاحب السبورة يعلم، وقلما يصله إيصال بما كتبه فينا.

وفي آخر كل فصل دراسي يجلس هذا القارئ ويكتب العلامة بيده. ولعله يكتب درجة فوق اسم صغير يعرف أن الدرجة ظلمته، أو أنصفته أكثر مما يجب. ثم يمضي إلى الاسم التالي.

والأسماء كثيرة. يقول الكتاب الإحصائي السنوي الأردني إن لكل مدرس نحو 15.6 طالبا في العام الدراسي 2023/2024.

وفي الشعبة الواحدة نحو 24.9 منهم.

الرقم الأول يليق بالتقرير. والثاني يدخل من باب الصف مع من يقف أمامه.

وتدوم الحصة 45 دقيقة في مدارس الفترة الواحدة. قسمها على خمسة وعشرين طالبا.

يخرج نصيب الواحد منهم: أقل من دقيقتين!

وفي مدارس الوزارة وحدها يرتفع المتوسط إلى نحو 27، بقسمة 1.59 مليون طالب على 59 ألف شعبة. فتنقص الدقائق أكثر، ويزداد ما يحمله صاحب الحصة من وجوه.

وحين حاول الباحثون التقاط ما يتركه المعلم بالأداة الخشنة نفسها، التقطوا الكثير.

دراسة أمريكية تتبعت أكثر من مليون طفل بسجلات المدارس والضرائب حتى سن الرشد.

فوجدت أن استبدال مدرس من أضعف خمسة في المئة، بحسب علامات طلابه، بمدرس متوسط يضيف إلى دخول طلاب فصله مدى الحياة نحو 250 ألف دولار بالقيمة الحالية.

حجم كهذا التقطته آلة بثلاث خانات. فكم يفوتها؟!

والنتيجة تتأخر. الميزانية تقاس بالسنة، والدخل الذي قيسه الباحثون ظهر في سن الرشد. وللبحث تواضعه: المدرس أحد عوامل كثيرة تجاورها الأسرة والظروف والفرص.

والعالم، بحسب اليونسكو، يحتاج إلى 44 مليون مدرس إضافي بحلول عام 2030.

وقد تضاعفت عالميا نسبة من يغادرون المهنة من معلمي الابتدائي بين عامي 2015 و2022، من 4.6 إلى نحو 9 في المئة. نملك طريقة لعد من يغادرون، وتبقى طريقة عد ما يحملونه معهم معلقة.

وللحكومة ما تقوله، وهو كثير.

خصصت 1039 قطعة أرض لإسكانات المعلمين بخصم يصل إلى 50% عن سعر السوق، وأعلنت الوزارة دفعة أولى من مئتي معلم ومعلمة. وتبتعث نحو 4 آلاف معلمة ومعلم سنويا إلى دبلوم التأهيل قبل الخدمة على نفقتها. أرقام تقرأ بالعين المجردة، وتستحق التحية.

الأراضي تعالج البيت، والدبلوم يعالج العدة، وكلاهما يعمل قبل أن يبلغ أحد الباب. أما ما يجري داخل الدقيقتين فلا تحصيه قائمة أراض ولا برنامج ابتعاث.

وللمعترض حجة وجيهة: المنهك يقرأ أقل، والبيت المستقر شرط للعين المستقرة. وهذا صحيح.

ولآخر حجة أخرى: ما لا يقاس لا يدار، فقيسوا ما حذف. وأصعب ما في الجواب أن كل مقياس جديد لما حذف سيمر بالآلة نفسها، ويخرج منها رقما قصيرا!

يبقى سطر. سطر حر بجانب كل اسم في آخر العام، يكتب فيه من علم الصغير ما رآه، ويقرؤه من يتسلمه بعده قبل أن يفتح أول دفتر.

تخيل أستاذا جديدا في أيلول يقف أمام ثلاثين وجها لا يعرفها. وفي كشف أسمائهم سطر كتبه زميل في حزيران عن واحد منهم: يفهم الرياضيات ويخفي ذلك خوفا من الضحك.

فتتغير الدقيقة الأولى من الحصة الأولى. ويحصل الصغير على ما لم تمنحه له علامة قط: معلما يعرفه قبل أن يعرف علامته.

وللسطر خطره: قد يصير وصمة تسبق الطفل إلى الصف التالي. فيحرسه شرط واحد: لا يكتب فيه إلا ما يفتح بابا.

وحين يتقاعد هذا القارئ، يغادر معه كل ما قرأه. وشهادة التقدير تحية صادقة، وتختصر هي أيضا: عمرا من القراءة في سطر وتوقيع.

فمن يقرأ خانات من يقرأ الخانات؟!

‎[email protected]‎

‎https://emad-dawoud.netlify.app/‎

مواضيع قد تعجبك