زارتني إحدى الصديقات، وقبل أن يمضي على جلوسنا بعض الوقت، اتصلت ابنتها تبكي وتشتكي تنمر زميلتها في المدرسة عليها، والسبب الحقيقي؟ تفوقها الدراسي!
لم يكن الموقف غريباً؛ فهو ليس الحالة الأولى التي تمر علي، فالتنمر في المدارس أصبح ظاهرة في توسع مخيف، وهو واقع ملموس تؤكده حتى بعض حالات الانتحار المفجعة التي شهدناها في الفترة الماضية. وعندما نصحت صديقتي بالتواصل مع والدة الطالبة المتنمرة لحل المشكلة بحكمة، جاءني ردها الصادم: "التقيتها في المدرسة، وكانت أكثر قلة أدب من ابنتها!".
وهنا نقف على أحد أبرز أسباب تزايد المتنمرين؛ إذ يفتقد بعض الأهالي للأسلوب التربوي القويم والحوار الواعي، بل قد يبررون سلوك أبنائهم أو يمارسون هم أنفسهم عدوانية علنية، مما يزيد الطين بلة. ناهيك عن ترك الأطفال فريسة للمحتوى العنيف والألعاب الإلكترونية دون رقابة، يرافق ذلك استهانة واضحة من بعض المدارس بهذه الظاهرة التي قد تقود إلى ما لا يحمد عقباه.
ولا يمكننا إعفاء المؤسسة التعليمية من المسؤولية؛ فالمفترض أنها مؤسسة تهتم بالتربية قبل التعليم. لكن عندما تتعامل المدرسة مع شكاوى التنمر على أنها مجرد "مزحة أطفال" أو "شجار عابر"، أو تهمل رقابة الأماكن الخفية كالساحات الخلفية ودورات المياه والحافلات، فإنها تمنح الضوء الأخضر لاستمرار العنف.
هذا التقصير المدرسي يترك آثاراً نفسية عميقة تتجلى بوضوح من منظور المدارس النفسية؛ فمن الناحية السلوكية (التعلم الشرطي)، ترتبط المدرسة في ذهن الطفل الضحية بمثيرات مؤلمة كالخوف والإهانة، مما يولد لديه استجابة شرطية تتمثل في رهاب المدرسة والقلق الشديد المستمر. أما من الناحية المعرفية، فيتبنى الطفل أفكاراً مشوهة عن ذاته مثل أنه ضعيف وغير محبوب ولا يستطيع حماية نفسه، مما يدفعه تدريجياً نحو دوامة مظلمة من الاكتئاب.
في المقابل، يقتنع المتنمر سلوكياً أن العنف يحقق له مكاسب سريعة كفرض السيطرة ولفت الانتباه، فتتكرر الاستجابة وتترسخ كعادة عدوانية مدمرة ما لم يتم ردعه بعواقب حازمة.
وسط هذا كله، وكنوع من التعاطف والتضامن مع صديقتي الحائرة، حاولت تقديم حل سريع فقلت لها بحسن نية: "انقلي ابنتك لمدرسة أخرى". فنظرت إلي نظرة وكأنها تقول بينها وبين نفسها: "هو أنا ناقصني كمان؟!".
نظرتها اختصرت مأساة مجتمع كامل يكتفي بالهرب من معركة يجب أن نخوضها معاً.
وإن الهروب بنقل الأبناء ليس حلاً، بل يتطلب الأمر وقفة جادة تتجسد في إقرار سياسات مدرسية صارمة، وتفعيل خطوط ساخنة للتبليغ الفوري عن التنمر، ومحاسبة كل متهاون بحياة أطفالنا وسلامتهم النفسية، لتعود المدرسة واحة للأمان والعلم لا ساحة للخوف والانهزام.



