*
السبت: 15 أغسطس 2026
  • 15 أغسطس 2026
  • 10:22
حين التهم الإسمنت سهول حوران
الكاتب: مسيّد المومني

بلغ تراجع مساحة القمح في إربد نحو 78%، بعدما انخفضت من نحو 228 ألف دونم عام 1975 إلى نحو 50 ألف دونم عام 2019، وفق بيانات أوردها تقرير حول واقع الأراضي الزراعية في إربد، لتحلّ الخرسانة كحقيقة لا يمكن تجاهلها.

سهل حوران كان سلة الأردن من السنابل الذهبية وشريانًا للسيادة الغذائية، بدأ بالانحسار أمام الزحف العمراني الذي يأتي تباعًا على الأخضر واليابس، فلم نعد نلمح مدى السهول أمام العديد من المباني التي اجتاحت الأراضي الزراعية كالنار في الهشيم.

من جانب آخر أسهم تفتيت الملكية عبر الورثة في تحويل الأراضي الزراعية المترابطة إلى أسهم صغيرة شائعة يصعب استثمارها زراعيًا، مما شجع المقاولين وأصحاب المكاتب الهندسية لتقديم عروض مالية مغرية لمن يحتاج إلى سداد قرض بنك أو تغطية تكاليف التعليم الجامعي أو حتى لسداد التزامات الزواج، مما دفع المُلّاك إلى بيع أراضيهم مقابل شققٍ تحقق لهم ولعائلاتهم الاستقرار.

وفي تجارب عالمية مستدامة، ألمانيا مثلًا، تتعامل تشريعاتها مع حماية الأرض والحد من استهلاكها لأغراض البناء ضمن سياسة التخطيط العمراني المستدام، حسب قانون البناء الاتحادي الألماني (BauGB).

هذا دفعها إلى فرض قوانين تحد من التمدد العمراني واستغلال الفراغات الداخلية بدلًا من استغلال السهول، أما في نموذجنا المحلي، فقد جرى التعامل مع سهل حوران الخصب باعتباره مساحة فضاء يسمح باستغلالها للإنشاءات والبناء.

في الحقيقة، إن هذا التراجع الكبير في مساحة القمح ليس رقمًا إحصائيًا في ملف الزراعة، فإلى وقت قريب، كان بإمكان الإربدي أن يلمس بيده مفهوم الاكتفاء الذاتي من خيرات المحاصيل البعلية - صيفيةً وشتويةً - أما اليوم فقد أغلقت الخرسانة ذلك المدى وجفّت السنابل، لنتحول تدريجيًا من مجتمع منتج يخرج رزقه من أراضيه إلى مجتمع مستهلك يعيش داخل قوقعة الشقق السكنية وينتظر قضاء احتياجاته البسيطة من أرفف “السوبرماركت”.

لقد خسرنا بالتحول الإسمنتي ما هو أعمق من الأرض.. خسرنا مشهد السهل وحقنا في المدى، واستقلالية غذائنا.

مواضيع قد تعجبك