*
الجمعة: 14 أغسطس 2026
  • 14 أغسطس 2026
  • 19:40
ما تناثر من غضب شعرية التشظّي وبلاغة المقاومة للدكتورة نادية أبو عودة 
الكاتب: د. مي بكليزي

خبرني - «ما تناثر من غضب»؛ عنوان يحيل إلى ذلك التشظي الذي انتاب مشاعر ممتدة لسنوات، تشظيًا خرج عن نطاق المألوف، وتعدّى الواقع والمستقبل، ليسفر عن غضب صارخ انتاب محطات من حياة الشاعرة، التي اختلط لديها الهم الذاتي بالهم الجمعي، معبّرة عنه بهموم المرأة والوطن والحياة.
تناثر الغضب فاستحال نصوصًا صارخة ضد الألم والانكسار والهزيمة؛ فالحياة لديها فعل مقاومة حتى الرمق الأخير، لا تحدّه محطات الخذلان والخيبات، فتتكئ على أوجاعها معلنةً إياها ثورة على الضعف والخنوع والانكسار.
وينسحب هذا المنظور على حياتها ووطنها والعالم من حولها، في صورة تجسّد إثبات الهوية، ومقارعةً الباطل لإثبات الوجود والحياة في أفضل نسخة مستطاعة لها.
والديوان الذي لم تأبه الشاعرة بأن تصنّفه نثرًا أو شعرًا، جاء مجموعة من نصوص قصيدة التفعيلة والنثر، يشكّل بوحًا خالصًا لم يمرّ من مقصلة التجميل والتزويق، بل جاء طازج المشاعر، حاضر التجربة، لا ينزاح عن البوح الإنساني الحاضر فوق كل أرض وتحت أي سماء.
فجاءت اللغة مباشرةً خطابية، خاصة فيما يتعلق بأدب المقاومة، وجاءت الجمل في عمومها قصيرةً متتابعة، مشحونةً برغبة ملحّة في البوح، ذلك البوح الذي يشكّل استعادةً جادةً لعافية الشاعرة.
وتأتي الأفعال في أغلبها مضارعة، تخدم فكرة الحركة والحيوية والتجدد في الحياة، مع كثرة في أساليب التعجب والاستفهام والنداء والتكرار، وهي أساليب تنسجم مع طبيعة التجربة الانفعالية، وتمنح النصوص إيقاعًا متوترًا يوازي شدة البوح.
ومن أجمل الصور في الديوان:
«ملّ الصمت من الصمت»
وهي صورة تقوم على مفارقة دلالية؛ فالصمت، الذي يفترض أن يكون حالة ثابتة، يصبح هو نفسه ضجراً من الصمت، وكأن الكبت بلغ حداً جعل الصمت عاجزاً عن الاستمرار.
وكذلك قولها:
«مضغت عمري بفكيك»
وهي صورة عنيفة في دلالتها، تجعل العمر شيئاً مادياً يمكن مضغه، فتحول العلاقة من مجرد استنزاف إلى فعل افتراس، بما يكثف الإحساس بالقهر.
ومن الصور اللافتة أيضاً:
«هربت منك... إليك»
حيث تقوم الصورة على المفارقة؛ فالفرار من الآخر ينتهي إلى العودة إليه، وكأن الآخر ليس خارج الذات وإنما مستقر فيها.
وتكشف هذه الصور عن أن أقوى لحظات الديوان الشعرية تظهر حين تتراجع المباشرة لمصلحة المفارقة والتكثيف.
وتميل اللغة إلى الوضوح، وتعتمد على الجمل القصيرة والأفعال المضارعة التي تمنح النص حركةً مستمرة، كما يكثر استعمال ألفاظ الاحتجاج، مثل:
الرفض، الصمت، الثورة، الجبن، الحرية، الغضب.
وهو معجم يكشف عن طبيعة التجربة الشعرية القائمة على المواجهة والرفض والمقاومة، ويجعل من الغضب طاقةً شعورية لا تنتهي عند حدود الانفعال، بل تتحول إلى فعل كتابة وإثبات للوجود.
وعليه، فإن القيمة الأبرز في الديوان لا تتمثل في وحدة الشكل الشعري، ولا في الانضباط الصارم للتجنيس، بقدر ما تتمثل في وحدة التجربة الداخلية؛ تجربة امرأة جعلت من الكتابة مساحة لمواجهة الألم، ومن الغضب طاقة للحياة، ومن البوح طريقًا لاستعادة ذاتها.
وهكذا لا يعود عنوان الديوان مجرد تسمية، بل يغدو اختزالًا لمسار التجربة كلها؛ فقد تناثر الغضب، لكن الشاعرة لم تتناثر معه، بل جمعت شظاياها وكتبتها.
د. مي بكليزي

مواضيع قد تعجبك