مع كل إعلان لنتائج التوجيهي، تتكرر المشاهد ذاتها: فرح، دموع، احتفالات، أحلام تُفتح لها الأبواب، وأخرى تتعثر أمام رقم لم يكن في الحسبان.
لكن خلف كل نتيجة حكاية إنسان.
وهنا، ربما علينا أن نتوقف قليلاً عن سؤال: من نجح؟ ومن لم ينجح؟
ونسأل سؤالاً أكثر أهمية: ماذا نقول لأبنائنا عندما لا تأتي النتائج كما أردنا؟
فالنجاح لا يحتاج إلى كثير من الشرح.
الكل يعرف كيف يحتفل بالناجح، وكيف يصفق له، وكيف يحيط به بالتهاني والكلمات الجميلة.
أما الفشل، فهو اللحظة التي تنكشف فيها حقيقة التربية.
عندما يتعثر أبناؤنا، لا نكتشف فقط قدرتهم على مواجهة الخيبة، بل نكتشف أيضاً كيف علمناهم أن ينظروا إلى أنفسهم عندما لا يحققون ما نريد.
وهنا تبدأ المشكلة.
حين يكبر الطفل وهو يسمع أن التفوق هو الطريق إلى الحب والاعتزاز، قد يتعلم مع الوقت أن قيمته مرتبطة بما يحققه، لا بما هو عليه. يصبح النجاح بالنسبة إليه ضرورة، والفشل تهديداً، والخطأ شيئاً يجب إخفاؤه لا التعلم منه.
وبذلك، قد نكون دون أن ندرك، قد انتقلنا من تربية أبنائنا على حب النجاح إلى تربيتهم على الخوف من الفشل.
والفرق بينهما كبير.
أن تطمح إلى النجاح يعني أن تؤمن بقدرتك على الوصول.
أما أن تخاف من الفشل، فيعني أن تصبح أسيراً لنظرة الآخرين إليك.
ولهذا، فإن التربية التي نحتاجها لا تقول للابن: «لا بأس أن تفشل» بطريقة تجعل الفشل أمراً عادياً بلا مسؤولية، ولا تقول له: «يجب أن تنجح مهما كان الثمن».
بل تقول له شيئاً أكثر إنسانية:
اجتهد لتنجح، وإذا تعثرت، لا تسمح لتعثر واحد أن يعرّفك.
فالإنسان لا يفشل لأنه لم يحصل على العلامة التي أرادها، ولا ينجح لأنه حصل عليها فقط.
هناك نجاحات لا تظهر في الشهادات، وفشلٌ قد يكون في ظاهره خسارة، لكنه يعلّم الإنسان درساً لم يكن ليتعلمه في طريق سهل.
كم من إنسان غيّر طريقه بعد تعثر، فاكتشف نفسه في مكان آخر؟
وكم من حلم لم يتحقق، فقاد صاحبه إلى حلم لم يكن يعرف أنه يريده؟
المشكلة ليست في أن يفشل أبناؤنا.
المشكلة أن نجعلهم يعتقدون أن الفشل يعني أنهم أقل قيمة، أو أنهم خيبوا آمال من يحبونهم، أو أن الطريق قد انتهى.
لذلك، ربما تكون أهم رسالة نوجهها لأبنائنا بعد نتائج التوجيهي ليست عن المعدل ولا عن التخصص ولا عن الجامعة.
ربما تكون:
نحن فخورون بكم لأنكم حاولتم، وسنكون إلى جانبكم لأن الطريق ما زال طويلاً.
هذه ليست دعوة إلى التساهل مع النجاح، بل دعوة إلى فهم أعمق لمعناه.
فالنجاح الحقيقي ليس أن نربي أبناءً لا يسقطون.
فهذا غير ممكن.
النجاح أن نربي أبناءً يعرفون كيف ينهضون عندما يسقطون، وكيف يبدأون من جديد دون أن يفقدوا إيمانهم بأنفسهم.
نحن لا نستطيع أن نمنح أبناءنا حياة خالية من الفشل، ولا ينبغي لنا أن نفعل.
لكننا نستطيع أن نمنحهم شيئاً أهم:
أن يعرفوا أن الفشل حدثٌ مرّ بهم، وليس هويةً تسكنهم.
وأن العلامة قد تحدد نتيجة امتحان، لكنها لا تستطيع أن تحدد قيمة إنسان.
وأن الطريق إلى المستقبل لا يُرسم دائماً من أول محاولة.
لذلك، في موسم النتائج، ربما نحتاج جميعاً أن نعيد تعريف النجاح.
فالنجاح ليس فقط أن تصل.
أحياناً يكون النجاح الحقيقي أن تتعثر، ثم تملك الشجاعة لتواصل السير.
وهنا يبدأ دور التربية الحقيقي: أن نربي أبناءنا على أن يحلموا دون خوف، وأن يحاولوا دون رهبة، وأن ينجحوا بتواضع، وأن يفشلوا دون أن ينكسروا.
لأننا إذا نجحنا في تعليمهم كيف ينجحون، فقد منحناهم فرصة.
أما إذا نجحنا في تعليمهم كيف يواجهون الفشل، فقد منحناهم الحياة نفسها.



