*
الاثنين: 03 أغسطس 2026
  • 03 أغسطس 2026
  • 20:42
إيران تحاصر خيارات ترمب في أزمة هرمز الرئيس عالق
الكاتب: يوسف الطورة

حسمت طهران على ما يبدو أن ثمن إنهاء المواجهة الاعتراف بحقها في فرض سيطرة سياسية على مضيق هرمز، وهو مطلب يصعب على أي إدارة أمريكية قبوله دون أن يبدو وكأنه تنازل تاريخي ينسف عقوداً من السياسة الأمريكية القائمة على ضمان حرية الملاحة في أهم ممر للطاقة في العالم.
المفارقة أن الرفض لا يجعل الخيارات الأمريكية أفضل، فاستمرار الضربات المتبادلة يفتح الباب أمام حرب إقليمية أوسع، بما يحمل التصعيد كلفة اقتصادية وسياسية قد تكون باهظة على واشنطن وحلفائها، وهكذا يجد البيت الأبيض نفسه محاصراً بين خيارين أحلاهما مر.
خلال الأسابيع الماضية واصل الرئيس الأمريكي اتباع أسلوبه المعتاد، مزيج من التهديد بالقوة والإيحاء بأن باب التسوية لا يزال مفتوحاً.
في واشنطن يدرك كبار المسؤولين أن أي اتفاق يمنح إيران حقاً سياسياً أو مالياً في المضيق لن يكون مجرد تسوية مؤقتة، بل سابقة استراتيجية.
فالسماح لطهران بفرض رسوم عبور أو التحكم بالملاحة يعني عملياً إضفاء شرعية على نفوذها في أحد أهم الممرات البحرية، ويقوض مستقبلاً قدرة الولايات المتحدة على استخدام العقوبات الاقتصادية بوصفها أداة ضغط، كما يمنح قوى أخرى مثل الصين في محيط تايوان أو الحوثيين في باب المندب نموذجاً قابلاً للتكرار.
المأزق الحقيقي أن الإيرانيين يتصرفون من موقع قوة فهم يعتقدون أن لديهم أوراق ضغط كافية، لذلك لا يرون سبباً لتقديم تنازلات سريعة، فيما تعاني واشنطن من صعوبة قراءة مراكز القرار داخل النظام الإيراني، الأمر الذي يجعل أي مفاوضات أكثر تعقيداً، ويصعب تثبيت أي وقف لإطلاق النار.
في المقابل تشير حركة الملاحة اليومية عبر المضيق إلى حقيقة مختلفة، فالملايين من براميل النفط لا تزال تعبر، ما يعني أن إيران لا تفرض سيطرة كاملة على المضيق بقدر ما تستخدم القدرة على إغلاقه كورقة ردع وابتزاز سياسي.
فالمضيق ليس مغلقاً أمام العالم بل أصبح مغلقاً أمام إيران وحدها بفعل العقوبات، فيما تحتفظ طهران بالقدرة على تعطيل حركة الجميع متى أرادت.
ويأتي هذا المشهد قبل ثلاثة أشهر من انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، في وقت ارتفعت فيه أسعار البنزين، وأصبح الاقتصاد وتكاليف المعيشة العنوان الأبرز للحملة الانتخابية. 
يريد الجمهوريون طي صفحة الحرب والتركيز على المكاسب الاقتصادية التي حققتها الإدارة، لكن استمرار استهداف القواعد الأمريكية، وتصاعد التوتر في الخليج، وارتفاع احتمالات صعود أسعار النفط كلها عوامل تعيد الحرب إلى واجهة المشهد السياسي.
لهذا تبدو خيارات ترمب جميعها سيئة، فأي اتفاق دبلوماسي سيستلزم بصورة مباشرة أو غير مباشرة قبول شكل من أشكال النفوذ الإيراني في مضيق هرمز، وهو ما يصعب تمريره داخل واشنطن. 
أما التصعيد العسكري فلن يضمن تراجع إيران لكنه يكاد يضمن ارتفاع أسعار النفط، واستنزاف مخزون الولايات المتحدة من صواريخ الدفاع، وتعريض الحلفاء لموجات جديدة من الهجمات.
بل إن الأخطر من ذلك أن الاعتراف بحق إيران في فرض رسوم أو تعطيل الملاحة سيقوض أحد أهم المبادئ التي قامت عليها المنظومة البحرية الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو مبدأ حرية الملاحة في الممرات الدولية.
في المقابل قد تكتفي إيران نظرياً بإثبات قدرتها على إغلاق المضيق متى شاءت باعتباره انتصاراً تكتيكياً، إلا أن المؤشرات الحالية لا توحي بأنها تعتبر ذلك كافياً، بل تسعى إلى ترجمة هذه القدرة إلى مكسب سياسي دائم.
في الأيام الأخيرة بدا ترمب أكثر غضباً من أي وقت مضى، واتهم طهران بالكذب وسوء النية في المفاوضات، وأن الولايات المتحدة تريد الانتصار لا إدارة أزمة مفتوحة.
لكنه رغم ذلك لم يذهب إلى تنفيذ أخطر تهديداته بضرب البنية التحتية المدنية الإيرانية، لأن مثل هذه الخطوة قد تدفع طهران إلى الرد بكل ما لديها، بما يشمل استهداف الحلفاء وتوسيع رقعة الحرب ورفع أسعار الطاقة إلى مستويات غير مسبوقة.
ورغم أن السفن لا تزال تعبر المضيق، الأمر الذي أبقى أسعار النفط دون حاجز المئة دولار للبرميل، فإن الهجمات الأخيرة على قواعد أمريكية ومنشآت طاقة خليجية، إلى جانب تصاعد نشاط الحوثيين والمسليشات في العراق والهجمات الإلكترونية المنسوبة لإيران، توحي بأن طهران لا تستعجل إنهاء المواجهة، بل تراهن على استنزاف خصمها سياسياً وعسكرياً.
ومن هنا تتضح معادلة الأزمة، إذا تراجع ترمب بدا وكأنه منح إيران انتصاراً استراتيجياً في أهم ممر بحري في العالم، وإذا صعّد فقد يجر الولايات المتحدة والمنطقة إلى حرب أوسع بكلفة يصعب احتسابها، أما إذا استمر في إدارة الصراع عند مستواه الحالي فإنه يطيل أمد حرب استنزاف لا تحقق حسماً لأي طرف.
لهذا يبدو الرئيس الأمريكي اليوم عالقاً في مأزق استراتيجي غير مسبوق فلا هو قادر على القبول بالشروط الإيرانية، وغير مستعد لتحمل تبعات حرب شاملة، فيما تواصل طهران استثمار عامل الوقت مقتنعة بأن الزمن يعمل لصالحها أكثر من خصمها.
ربما لا تكون معركة مضيق هرمز مجرد أزمة ممر مائي بل اختباراً لمكانة الولايات المتحدة نفسها ولمدى قدرتها على حماية النظام الدولي الذي بنته طوال ثمانية عقود.
وإذا كان الإيرانيون يسعون إلى انتزاع اعتراف بنفوذهم، فإن ترمب يقاتل من أجل ألا يكتب في التاريخ أنه الرئيس الذي كسر في هرمز، لا لأنه هزم عسكرياً بل لأنه وجد نفسه للمرة الأولى بلا خيار جيد.

مواضيع قد تعجبك