*
الاحد: 02 أغسطس 2026
  • 02 أغسطس 2026
  • 21:19
حين تضل الأرقام طريقها إلى الجمهور إدارة أموال المتقاعدين مثلا
الكاتب: عبدالسلام الطراونة


ليس الهدف من النقد الإعلامي التشكيك أو الإشادة العابرة، بل تتبع مدى التزام الخطاب الرسمي بأبسط قواعد الاتصال المؤسسي والشفافية الاستثمارية. عندما تُطرح أسئلة جوهرية حول مشروع بحجم "مدينة عمرة" واستثمارات المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، فإن القارئ والمستمع لا يطلبان مناظرات شخصية، بل يطلبان بلغة صارمة: الأرقام والعوائد وإدارة المخاطر.

في الظهور الإعلامي الأخير للحديث عن تعقيب استثمارات الضمان الاجتماعي في مشروع مدينة عمرة، يجد المتابع المتخصص نفسه أمام ظاهرة اتصال ملفتة ومكررة: غياب منهجية "النتيجة أولاً" (Bottom Line First)، واستبدالها بإستراتيجية التمهيد الدفاعي وتشتيت بوصلة الحوار نحو سجالات جانبيّة وردود على انتقادات الفاعلين أو الاستشهاد بأسماء وشخصيات (كالسجال حول تصريحات الطراونة أو المهيدات).

إن أولى قواعد الاتصال الجماهيري في القضايا ذات التماس المباشر بأموال المواطنين تقتضي البدء المباشر بالإجابة عن السؤال المحوري: ما هي الجدوى الاقتصادية؟ وما هو معدل العائد الداخلي متوقع التحقيق (IRR)؟ وما هي المدة الزمنية لاسترداد رأس المال؟ وعندما يبدأ المسؤول إجابته بعبارات تشتيتية من قبيل "قبل أن أجيبك..."، ليخوض في تفاصيل اتصالات جانبية أو تصفية تباينات في وجهات النظر حول مرفق معين أو ملعب رياضي، فإن ذلك يُرسل رسالة غير مريحة للمستمع. إنها تعطي انطباعاً ضنِكاً إما بعدم جاهزية الأرقام والبيانات الميدانية، أو بمحاولة كسب الوقت وتحويل الحوار من "مساءلة استثمارية" إلى "مكايدة شخصية".

كما أن التذرع بأن المشروع يمتد لخمسين عاماً أو أنه يمثل مخططاً شمولياً (Master Plan) لا يعفي المؤسسة الاستثمارية من تقديم أرقام ومؤشرات قياس محددة (KPIs)؛ فالاستثمار في العقار وتطوير البنية التحتية يمتلك أدوات قياسية متعارفاً عليها دولياً، والجمهور المتابع لا يطلب التنبؤ بالغيب لـ 50 عاماً قادمة، بل يطلب معرفة النماذج المالية (Financial Models) التي بُني عليها قرار الضمان بالدخول في هذا المشروع في لحظته الراهنة.

إن الفارق الجوهري بين الخطاب الدفاعي والنموذج المؤسسي الاحترافي يكمن في طريقة التعاطي مع الأولويات؛ فالخطاب الدفاعي يبدأ بالردود الجانبية ويكتفي بالتركيز على شرعية القرار واختزال النقد في خانة "عدم الفهم"، بينما يقتضي النموذج المهني التقديم المباشر بالأرقام، وعرض الشفافية الكاملة لإدارة المخاطر المحتملة (كالتضخم والسيولة والطلب)، واستيعاب النقد كمتطلب مسجل يتم تفنيده ببيانات المخطط الشمولي وجدول المخرجات التنموية.

إن المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي ليست شركة تطوير عقاري خاصة تبحث عن التسويق الإعلامي، بل هي أمينة على مدخرات أجيال متعاقبة. من هنا، فإن البناء الاتصالي لردود مسؤوليها يجب أن يعكس هذه الأمانة عبر السكينة الرقمية والاستناد الحصري للحقائق؛ إذ إن إقناع المواطن بنجاح استثمار مثل "مدينة عمرة" لا يتم عبر إثبات خطأ الطرف الآخر، بل عبر إثبات صحة الفرضيات المالية للمشروع نفسه.

يحتاج الخطاب الاستثماري الرسمي إلى مراجعة هيكلية تضع البلاغة والردود الشخصية جانباً، وتقدم بدلاً منها لوحة قيادة استثمارية شفافة (Dashboard). فالشارع الذي يتابع مقابلات المسؤولين لا يفتش عن الفائز في المناظرة، بل يفتش عن الطمأنينة بشأن مستقبل أصوله الوطنية، وهي طمأنينة لا تجلبها إلا الأرقام الصريحة والإجابات المباشرة

مواضيع قد تعجبك