*
الاثنين: 03 أغسطس 2026
  • 03 أغسطس 2026
  • 14:19
الليل قبرٌ غير مُعلن
الكاتب: إبراهيم السواعير

في الهزيع الأخير من الليل لست بحاجةٍ إلى أن تستذكر الأحزان؛ فهي تتخللك وتحيط بك من كل جانب، ويكفي أن ينبعث من مذياع قديم معلق على الحائط شيء مما يبعث في النفس السُّجون والشُّجون والأسى، ليكون كل ذلك حاضرًا أمامك، مع استكانة شاي تبقى تتلمَّضها وأنت تكتب على ضوء خافت وهدوء من البشر وازدحام الأفكار الحزينة للناس.

الأفكار الحزينة التي تقبسها من عيونهم وتفاصيلهم وآلامهم، وتراها ماثلةً على وجوه زملاء: في العمل، ناس في الشوارع، يسعى كلٌّ منهم إلى ما سعى إليه، ليكون التساؤل الكبير وسط كلّ هذا، كيف لهؤلاء أن يبلغوا أحلامهم ويفرحوا؟!

ثمّ لا تلبث أن تشكر الله وتحمده، فترقَّ عاطفتك مهما كانت صلبة؛ فقط لأنك شعرت مع هذه الوجوه، وكيف أنّ الله يوفقها ويعطيها الفسحة والفسحتين والمليون فسحة من الأمل لتحقيق أحلامها أو شيء من أحلام، فهي تظلّ فَرِحةً وهي تظن بالله حسن الظن، حتى أنَّ الله قال في الحديث القدسي "أنا عند حسن ظنِّ عبدي بي"!

في الهزيع الأخير من الليل، أنت تمكث وحدك مع جيوش من التخيلات والآلام القادمة في غد وبعد غد، بل بعد السنة والسنتين والعشرة، ساعتها تدرك أنَّ الدنيا لا تستحقّ كل هذا العناد، وكلّ هذا المقت والقهر.

صحيحٌ أنها دار فناء لا دار مقام، وصحيحٌ أنَّ الناس فيها يمرون بشكل عابر؛ منهم من كان معنا ومنهم من ذهب، ومنهم من يتحضَّر للذهاب، لكنَّ الحياة هكذا دائمًا: بين الكمال والنقصان.

كيف لأحزاني أن تتوهج في الليل وحده مع هذا المذياع والضوء الخافت الذي ينوس على الأفكار؟!.. وكيف ينعكس كلُّ ذلك على تعاملي وتعاملك أنتَ مع الآخرين، وإحساسي وإحساسكَ بآلامهم، وربما ممازحتهم، والشعور معهم ومشاطرتهم أحزانهم ومساعدتهم قدر الإمكان؟!.. ذلك هو الرائع الذي يزيح عنّا كلَّ هذه المشاق النفسية التي نتحملها؛ فنحن بحاجة إلى أن نفرح ونحتفي بهذه النفس بعيدًا عن إيلامها، هذه النفس الجديرة بأن توضع في مكانها اللائق بها، وأن نحيطها بسوار من العزله إذا أحسسنا أنّ هناك شوكًا سوف يشوكها أو آلامًا سوف تنال منها..

لذلك، علينا أن نحسن إدارة أنفسنا، وأن نعلم أنَّ كلَّ شيء هو ذاهب، وأنَّ كلَّ شيء هو آتٍ، وأنَّ الدنيا لا تستقرُّ لا على أحزان ولا على أفراح، وبالتالي فالمرء موكولٌ بأن يظلَّ يتنقل بين أحزانه وأفراحه كثيرًا أو قليلًا، ثم يقنع نفسه بأنَّ الحياة جميلة.

إذا كان لديك شرفة سارع إلى فتحها، وإذا وجدتَ نفسك بلا عاطفة سارع إلى ابتياع مذياع ونوَّاسة وليل؛ نحن نحتاج إلى الليل لأنه يضيء على نفوسنا وهمومنا، وهو بالنسبة لنا الصباح الحقيقي الذي تنعتق فيه النفوس من عناء البراغماتية والمصالح والمجاملات، نعم هكذا نحن حين نكون قبالة أنفسنا، ونكون صُوَرًا لشعورنا مع بعضنا وتكافلنا ومحبتنا، ولا ضير من مناكفات ومداعبات لا تنفي ما بين النفوس من محبة وفرح؛ فالحياة جديرة بأن نتفهمها، ومن يعدُّ السنين سيدرك تمامًا أيَّ غفلةٍ هو فيها حين اعتقد أنَّ هذه السنين ستظل مضيئة، فنحن ودائع في هذه الحياة، نمكث حتى يستردها صاحبها، فلا بدَّ من حكمة، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال "الحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها اهتدى".

في الليل كانت الشوارع تظلم والأضواء تخفت والشجر يسبِّح ربه وهو ساكن مطمئن، ولو نطق هذا الشجر لتحدث بالكثير لطول ما مرَّ عليه من وجوه، وشاهد من أقدام تتحرك على الشوارع جيئةً وذهابًا ومركباتٍ تذرع الأرض ذاهبةً آتيةً مع أصحابها إلى حيث عملهم ومصالحهم،.. مع علمنا بأننا سنشرب كؤوسًا من الحزن نتزوَّد بها في هذه الحياة: "كلُّ أمرٍ مصيره للزوالِ.. غير ربي وصالح الأعمالِ.. وترى الناس ينظرون جميعًا.. ليس فيهم لذاك بعض احتيالِ".

اللهمَّ أنِر قلوبنا بفلسفة العتمة، وقوِّنا على أن ندرك أكثر، وأن نكون طيبين مع الناس، وأن نشاركهم أحلامهم وآهاتهم وأفراحهم، وأن نقبس منهم في هذه الحياة ما ينفعنا، اللهمَّ يسِّر لنا من أمورنا رشدًا، واصفح عنّا الصفح الجميل، ولا تجعل همَّنا في الدنيا أن يكيد أحدنا الآخر، اللهمَّ اجعل قلوبنا صافيةً كصفاء هذه السماء، اللهمَّ يا رب.

الليل هو فاتحة الحقيقة، نخلع فيه الوجه المستعار المجامل الذي أنهكته الابتسامات الصفراء، الليل أنت فيه وحدك، الليل قبرٌ غير معلن، الليل محطة تلفُّك فيه الهموم، الليل نظارتك الحقيقيّة التي تمحِّص بها الأشياء..

يا ليلُ، أيٌّها المصباح المنير، كم فتحت عيني على ما لم أكن أراه في النهار، يا ليل، يا ليل، يا ليل !

مواضيع قد تعجبك