ليس جديدًا أن يواجه قطاع طب الأسنان في الأردن تحديات حقيقية، لكن الجديد هو أن تعلن نقابة أطباء الأسنان، وبكل وضوح، أن السوق وصل إلى مرحلة التشبع، وأن البطالة بين أطباء الأسنان تقترب من نصف عدد الممارسين، وأن آلاف الخريجين الجدد يقفون على أبواب سوق لم يعد قادرًا على استيعابهم.
هذه الأرقام، إذا كانت دقيقة، تستحق أن تدق ناقوس الخطر. لكنها في الوقت ذاته تثير سؤالًا أكثر أهمية: أين كانت هذه الأرقام قبل خمس سنوات؟ وقبل عشر سنوات؟ وهل كانت النقابة تراقب هذا المسار بصمت، أم أنها كانت تتحرك بالقدر الكافي لمنع الوصول إلى هذه المرحلة؟
لا يمكن التعامل مع الأزمة وكأنها حدث مفاجئ. فالنقابة نفسها تشير إلى أن الزيادة في أعداد أطباء الأسنان تراكمت عبر سنوات طويلة، وأن أعداد الخريجين كانت تتصاعد بصورة متسارعة. وإذا كانت هذه المؤشرات موجودة منذ سنوات، فمن الطبيعي أن يتساءل أعضاء الهيئة العامة والرأي العام عن الإجراءات التي اتخذت في حينها، وعن مدى نجاحها، ولماذا لم تُثمر عن تغيير حقيقي.
اللافت أيضًا أن بيان النقابة ركّز بصورة كبيرة على تقليص أعداد المقبولين في كليات طب الأسنان، وكأن المشكلة تبدأ وتنتهي عند الجامعات. صحيح أن تنظيم مخرجات التعليم ضرورة لا يمكن إنكارها، لكن الأزمة أعقد من ذلك بكثير. فهي ترتبط أيضًا بقدرة السوق على توليد فرص العمل، وبالتوسع في مظلة التأمين الصحي، وبالسياسات الحكومية، وبالسياحة العلاجية، وبالتوزيع الجغرافي للخدمات، وبالدور الذي يفترض أن تلعبه النقابة نفسها في حماية المهنة وتنظيمها.
ومن هنا، يصبح من المشروع طرح سؤال آخر: هل يكفي أن نخفض أعداد الخريجين إذا بقي الطلب على خدمات طب الأسنان محدودًا؟ وهل معالجة العرض وحده كافية، بينما لا توجد سياسات حقيقية لتحفيز الطلب أو خلق أسواق جديدة أمام آلاف الأطباء؟
هناك جانب آخر يستحق التوقف عنده، وهو الاستناد إلى أرقام ومؤشرات عالمية. فعندما يقال إن نسبة طبيب الأسنان إلى السكان في الأردن تتجاوز "المعدل العالمي الموصى به"، فمن حق القارئ أن يعرف المرجع العلمي الدقيق الذي استند إليه هذا التوصيف، لأن مثل هذه المقارنات تؤثر في السياسات العامة وفي قرارات آلاف الطلبة وأسرهم. الشفافية في عرض البيانات لا تقل أهمية عن البيانات نفسها.
كما أن الحديث عن وصول البطالة إلى ما يقارب 50% يحتاج إلى توضيح منهجي. هل تشمل هذه النسبة جميع المسجلين غير الممارسين؟ أم أنها تعتمد تعريفًا اقتصاديًا دقيقًا للبطالة؟ لأن الفرق بين "غير عامل" و"عاطل عن العمل" ليس مجرد تفصيل إحصائي، بل فارق جوهري في فهم حجم الأزمة وطبيعتها.
ورغم أهمية التوصيات التي طرحتها النقابة، فإن معظمها جاء بصيغة عامة؛ الدعوة إلى خفض القبول الجامعي، وتوسيع التأمين الصحي، وتعزيز السياحة العلاجية، وتحسين توزيع الخدمات. كلها أفكار تستحق النقاش، لكنها تبقى بحاجة إلى خطط تنفيذية واضحة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، وجداول زمنية تتيح للمجتمع تقييم مدى نجاحها.
ما يحتاجه قطاع طب الأسنان اليوم ليس مجرد إعلان عن وجود مشكلة، بل مراجعة وطنية شاملة تبدأ بالسؤال الصعب: كيف وصلنا إلى هنا؟ ومن يتحمل مسؤولية كل مرحلة من مراحل هذا المسار؟ فالأزمات المهنية لا تنشأ بين ليلة وضحاها، بل تتراكم عندما تتأخر القرارات، وتغيب الرؤية، ويصبح التعامل مع المؤشرات بعد وقوعها بدلًا من الاستجابة لها قبل أن تتحول إلى واقع.
يبقى أن يُحسب للنقابة أنها وضعت الملف على الطاولة وأعلنت أرقامًا تستحق النقاش، لكن قيمة أي تقرير لا تُقاس فقط بما يكشفه من حقائق، بل أيضًا بما يقدمه من مراجعة صريحة للدور الذي قامت به المؤسسة نفسها. فالمهنية لا تكتمل بتشخيص الأزمة، بل تبدأ من الاعتراف بجميع أسبابها، بما فيها مسؤولية المؤسسات التي كان يفترض أن تمنع وصولها إلى هذا الحد.
لعل الرسالة الأهم اليوم ليست أن مهنة طب الأسنان تعاني من التشبع، بل أن إدارة الأزمات المهنية لا يجوز أن تبدأ بعد وقوعها، وإنما قبل ذلك بسنوات، عندما كانت المؤشرات الأولى تظهر، وكان بالإمكان اتخاذ قرارات أقل كلفة وأكثر عدالة لمستقبل آلاف الشباب الذين استثمروا أعمارهم وأموالهم في دراسة هذه المهنة.



