*
الاثنين: 03 أغسطس 2026
  • 03 أغسطس 2026
  • 19:52
نتنياهو بين صندوقين صندوق الاقتراع أم صندوق الذخيرة
الكاتب: عماد داود

الحرب لا تصوت. الناخب يفعل. وحملة كهذه لا يملك صاحبها وحده قرار إشعالها، ولا إطفائها.
فجر الأحد، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعليق هجوم واسع كان مقررا على إيران، مشيرا إلى أن ملامح اتفاق بدأت تتشكل وأن أولوية المرحلة أصبحت الوصول إلى تسوية سريعة. وقال إن إسرائيل تشاركه هذا الالتزام. لكن الموقف الإسرائيلي الرسمي بقي حذرا، من دون تعليق يحسم اتجاهه. والصمت أحيانا أصدق تصريح.
هنا صندوقان، لا صندوق واحد. صندوق الاقتراع يفتح في تشرين. وصندوق الذخيرة، الذي كان يفترض أن يبقى مفتوحا حتى ذلك الموعد، انتقل مفتاحه إلى يد أخرى.
فمن يبني حملته على خطاب الحرب يحتاج إلى قوة عسكرية، ويحتاج أيضا إلى إبقاء شعور الخطر حاضرا في وعي الناخب حتى آخر يوم قبل التصويت. وأي تهدئة مبكرة تعني وقف إطلاق النار، لكنها تعني أيضا، في حسابه الانتخابي، انكماش المساحة التي يتحرك فيها خطاب الأمن والخوف!
وهنا يكمن الفرق الجوهري: واشنطن تنظر إلى الحرب بوصفها أداة تتوقف إذا حققت أهدافها السياسية، بينما يراها نتنياهو، على ما يبدو، ورقة لا تزال مطلوبة في معركة داخلية لم تنته بعد. فمكتبه، بحسب تحليل نشرته سي إن إن، كان يبدي قلقه من تسرع أمريكي نحو تفاهمات مع حماس، وسيحرص على عرقلة أي جهد يوقف القصف أو يفرض انسحابات، ولو إلى عمق القطاع. ففي هذا المنطق، كل هدنة مبكرة هي عمود دخان أقل قبل موعد التصويت. ولهذا يبدو نتنياهو، كلما اقتربت التسويات، كمن يطارد خيط دخان يتبدد كلما ظن أنه أمسك به.
وبينما تتولى دبلوماسية إقليمية، عمانية وقطرية وباكستانية، رسم مسار التهدئة الفعلي، يقف نتنياهو خارج الغرفة التي تصاغ فيها صفقة تقرر مصير حملته.
الأردن لا يشارك في هذه الحسابات، لكنه يدفع كلفتها الأمنية كلما تحولت سماؤه إلى ممر للصواريخ والطائرات المسيرة. وما يدفعه الأردن ثمن حسابات الآخرين، لا ثمن حربه. وما يعبر أجواءه مقذوفات، لكنها أيضا رسائل سياسية يدفع ثمنها آخرون! وهذه معادلة لا ينبغي أن تصبح أمرا اعتياديا. فالخليج يعيد حساب أمنه كلما اقترب صندوق الاقتراع الإسرائيلي من موعده، ولبنان يعرف الدرس عن ظهر قلب منذ عقود: حين تحتاج عاصمة إلى صورة قوة في نشرة مسائية، تصبح حدود جيرانها استوديو تصوير مجانيا!
الأزمة الحقيقية لم تعد في توقيت قرار الحرب. الأزمة في ملكية القرار نفسه. حين تصبح الدولة التي تقدم نفسها صاحبة المبادرة العسكرية في المنطقة مضطرة لانتظار قرار يصدر من واشنطن أو من غرفة تفاوض في الخليج، يتبدل السؤال كله. من يملك حق البدء أصلا؟
أسمي هذا النمط، لأول مرة، الحملة الدخانية: حملة انتخابية تستمد زخمها من استمرار أعمدة الدخان، وتمول سياسيا من فاتورة الدم التي يدفعها من لم يشارك في الترشح، ولا في البرنامج الانتخابي، ولا في صندوق الاقتراع.
والعداد يواصل العد. تشرين يقترب. ومفتاح صندوق الذخيرة ما زال في يد غير صاحبه! وما زال السؤال الأخطر بلا جواب: من يملك القرار حين يعجز صاحب الجيش عن اتخاذه بمفرده؟
لم يعد السؤال: هل يصنع صندوق الاقتراع صندوق الذخيرة؟ السؤال الأهم: من يملك مفتاحه أصلا؟
وربما يكتشف، مع اقتراب تشرين، أنه كان يطارد خيط دخان.
وصندوق الذخيرة لا يعرف اسم المرشح. يعرف فقط اسم من يملك مفتاحه!
 

مواضيع قد تعجبك