*
الخميس: 30 تموز 2026
  • 30 تموز 2026
  • 15:31
التوجيهي الجديد  ليس امتحان ثانوية بل امتحان دولة
الكاتب: فيصل تايه

​بقلم: فيصل تايه

​في كل عام، ينتظر الأردنيون امتحانات الثانوية العامة بوصفها محطة تعليمية مفصلية في حياة أبنائهم، لكن ما شهده الأردن هذا العام تجاوز حدود الامتحان بمعناه التقليدي. فلم تكن القضية مجرد طلبة يتوجهون إلى قاعات الامتحان، ولا أسئلة وإجابات ونتائج ستعلن بعد أسابيع، بل كان الوطن كله يخوض امتحاناً من نوع آخر؛ امتحان قدرة المؤسسة الوطنية الأردنية، وفي مقدمتها المؤسسة التربوية، على إدارة التحول، والحفاظ على الثقة، وإنجاز واحدة من أكثر العمليات الوطنية تعقيداً وحساسية.

​لقد كان هذا العام مختلفاً في كل تفاصيله؛ فالأردن لم يكن يدير امتحانات الصف الثاني عشر وحدها، بل كان يطبق عملياً نظام الثانوية العامة الجديد القائم على مرحلتين؛ الصف الحادي عشر والصف الثاني عشر، في تجربة انتقالية هي الأولى من نوعها بهذا الاتساع.

 وبين إدارة امتحانات السنة الثانية، واختتام امتحانات السنة الأولى، وتعدد المسارات، واستمرار أعمال التصحيح بالتزامن مع عقد الجلسات، كانت وزارة التربية والتعليم أمام مسؤولية استثنائية، تتطلب قدرة عالية على إدارة تحول هيكلي عميق في فلسفة الامتحان، وطمأنة المجتمع، وتحويل القلق الطبيعي المصاحب للتغيير إلى حالة من الانضباط والثقة.

​وفي مثل هذه التحولات الكبرى، لا يكفي أن تُصدر القرارات، بل يجب أن تمتلك المؤسسة القدرة على تحويلها إلى واقع ملموس يُقاس بالدقة وحسن التنفيذ، وأن تدير آلاف التفاصيل غير المرئية التي تصنع الفارق بين النجاح والإخفاق. وهذه هي القيمة الحقيقية للمؤسسات الصلبة؛ أن تعمل بصمت، وأن تتحمل ضغط المسؤولية، وأن تحافظ على ثقة المجتمع في المحطات التي تحتاج إلى أعلى درجات الحكمة والاحتراف.

​ولعل الإنصاف يقتضي أن نتوقف عند إدارة الامتحانات والاختبارات في وزارة التربية والتعليم، بوصفها العقل التنفيذي لهذا الاستحقاق. فإدارة عملية بهذا الحجم في ظل نظام جديد ليست عملاً روتينياً، بل منظومة وطنية معقدة تبدأ قبل أشهر من الجلسة الأولى ولا تنتهي بخروج آخر طالب من القاعة. 

وحين نعلم أن أعمال التصحيح والتدقيق يشارك فيها آلاف التربويين عبر مراحل متعددة من المراجعة والمطابقة، ندرك أن العدالة هنا ليست شعاراً براقاً، بل بيئة عمل دقيقة هدفها الأول والأهم أن يحصل كل طالب على حقه كاملاً وفق أسس واضحة وعادلة.

​لكن النجاح لم يكن جهداً معزولاً، بل كان ثمرة منظومة وطنية تتوزع فيها الأدوار بتناغم لا يختل. ففي قلب هذه الصورة يبرز المعلم الأردني بوصفه الحلقة الأقرب إلى الطالب، والفاعل الذي يحول السياسات والخطط إلى واقع يومي داخل المدرسة، مجدداً إثبات أن المعلمين والمعلمات هم شركاء حقيقيون في صناعة المستقبل. يساندهم في ذلك أبناؤنا الطلبة الذين خاضوا تجربة جديدة بكل ما حملته من رهبة التغيير، فأظهروا قدراً عالياً من المسؤولية والانضباط، وكانوا الشريك الأهم في إنجاح هذا الاستحقاق.

​ولم تكن هذه الدائرة لتكتمل لولا الجهود المخلصة للمؤسسات الوطنية المساندة؛ من القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، والأجهزة الأمنية، والدفاع المدني، ووزارة الصحة، ووسائل الإعلام، التي وفرت جميعها البيئة الآمنة والمناسبة؛ ليتأكد للجميع أن "التوجيهي" في الأردن مسئولية دولة تتكاتف فيها المؤسسات لحماية حق الطالب وصون سمعة التعليم.

​إن أجمل ما في هذه التجربة أنها أكدت مجدداً أن الدولة الأردنية تمتلك مؤسسات قادرة على قيادة التغيير عندما يتوافر التخطيط الاستراتيجي، والتنسيق الدقيق، والعمل المؤسسي المتكامل. وهي رسالة تتجاوز حدود التعليم لتؤكد أن قوة الدولة تُقاس بقدرتها على تنفيذ التحولات الكبرى بثقة واتزان مع المحافظة على حقوق الناس وطمأنينتهم.

​ولا يعني ذلك أن التجربة بلغت الكمال المطلق، فكل مشروع وطني كبير يبقى بحاجة إلى التقييم والمراجعة والاستفادة من دروس الميدان. والمؤسسة القوية هي التي تمتلك شجاعة التطور؛ ومن هنا فإن الاستماع الواعي إلى الطلبة والمعلمين وأولياء الأمور هو ما سيجعل هذا النظام أكثر نضجاً في الأعوام المقبلة، وأكثر قدرة على تحقيق أهدافه الاستراتيجية.

​واليوم، وبعد أن أُسدل الستار على امتحانات الصفين الحادي عشر والثاني عشر، فإن من حق الأردنيين أن ينظروا إلى ما تحقق باعتباره إنجازاً مؤسسياً يستحق التقدير، ونموذجاً يُحتذى في إدارة الملفات الوطنية الحساسة. 

ومن واجبنا أن نوجه كلمة وفاء صادقة إلى كل من حمل هذه الأمانة؛ إلى وزارة التربية والتعليم قيادةً وكوادر، وإلى مديريات الميدان، والمعلمين والمعلمات، والمشرفين، ورؤساء القاعات، والمراقبين، والمصححين، والإداريين، وإلى كل يد عملت بصمت مؤمنةً بأن نجاح الطالب يبدأ من إتقان الواجب.

​وإذا كان طلبة الثانوية العامة قد أنهوا امتحاناتهم، فإن الدولة الأردنية قد أنهت امتحاناً آخر، أثبتت فيه أن الاستثمار في المؤسسة هو الضمانة الحقيقية لبناء المستقبل، وأن التعليم سيبقى، كما أراده الهاشميون دائماً، الركيزة الأولى لمشروع الدولة، والعنوان الأوضح لإيمانها بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار في حاضر الوطن ومستقبله.

مواضيع قد تعجبك