*
الثلاثاء: 28 تموز 2026
  • 28 تموز 2026
  • 22:43
عيوننا على الاردن  هذه هي معركتنا الحقيقية
الكاتب: عبدالسلام الطراونة

في زمن تتسارع فيه الحروب وتتشابك فيه المصالح، يصبح السؤال الأكثر وطنية هو: ما الذي يخدم الأردن؟ لا: من نؤيد؟ ولا: ضد من نقف؟

ليس كل من يدعو إلى تجنيب وطنه ويلات الحروب متخاذلاً، وليس كل من يرفض الزج ببلده في صراعات الآخرين ضعيفاً. بل قد يكون أكثر الناس إدراكاً لمعنى المسؤولية الوطنية، لأن الدول لا تُقاس بحجم الشعارات التي ترفعها، وإنما بقدرتها على حماية شعبها ومصالحها ومستقبلها.

الأردن دولة ذات سيادة، له حدوده وأرضه وشعبه ومصالحه. ومن واجب الدولة أن تدافع عن كل شبر من ترابه، وأن ترد بحزم على أي اعتداء يستهدف أمنه أو أجواءه أو حدوده. هذا واجب لا خلاف عليه ولا مساومة فيه.

لكن الدفاع عن الوطن شيء، وتحويله إلى طرف في صراع لم يصنعه ولم يختره شيء آخر تماماً.

وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بهدوء وعقلانية:

ما المصلحة الأردنية المباشرة في الانخراط في مواجهة لا يملك الأردن قرار بدئها، ولا قرار إنهائها، بينما قد يتحمل وحده جانباً كبيراً من كلفتها؟

لقد علمتنا تجارب المنطقة أن القوى الكبرى كثيراً ما تبدأ الحروب، ثم تنهيها حين تتقاطع مصالحها. قد تُغلق المعارك باتفاق سياسي، أو بمكالمة هاتفية، أو بتفاهم يعقد خلف الأبواب المغلقة. أما الدول التي وجدت نفسها في قلب الصراع، فإنها تبقى بعد انتهاء الضجيج تعد خسائرها، وتعيد بناء ما تهدم، وتدفع شعوبها ثمن قرارات لم تكن صاحبة القرار فيها.

ومن حق كل أردني أن يسأل:

ماذا سنكسب؟ وماذا قد نخسر؟ وهل تحتمل دولة تعاني من مديونية مرتفعة، وضغوط اقتصادية متزايدة، وأعباء اجتماعية ثقيلة، مغامرة قد تضيف إلى همومها أعباء جديدة؟

إن ثمن الحياد قد يكون ضغوطاً سياسية يمكن التعامل معها، أما ثمن الانخراط في الحرب فقد يكون أمناً واقتصاداً واستقراراً وأرواحاً لا يمكن تعويضها.

والأردنيون، في غالبيتهم، لا يرفضون الدفاع عن وطنهم، بل يرفضون أن يصبح وطنهم ساحة لصراعات الآخرين. عندما يقول المواطن: “هذه ليست حربنا”، فهو لا يقول: “لا تدافعوا عن الأردن”، بل يقول: دافعوا عن الأردن، ولا تجعلوا الأردن يدافع عن حروب غيره.

ثم إن سؤالاً آخر يفرض نفسه:

منذ متى أصبح الأردني، الذي يواجه غلاء المعيشة، وأقساط السكن، وارتفاع كلفة التعليم والدواء والطاقة، مطالباً أيضاً بتحمل أعباء صراعات إقليمية لا يملك قرارها؟

ومنذ متى أصبح الأردن، بكل ما يواجهه من تحديات، مطالباً بأن يؤدي أدواراً تتجاوز إمكاناته، بينما لا يجد الاهتمام نفسه عندما يتعلق الأمر بتخفيف مديونيته، أو دعم اقتصاده، أو مساعدته على تجاوز أزماته؟

الأردن لم يكن يوماً عبئاً على أحد. لقد تحمل عبر عقود أعباء الجغرافيا، واستقبل موجات اللجوء، وحافظ على استقرار منطقة مضطربة، ودفع أثماناً سياسية واقتصادية باهظة دفاعاً عن أمنه واستقراره.

ومن الطبيعي أن يتساءل الأردني:

إذا كانت أهمية الأردن الإستراتيجية تجعل الجميع يتذكره في أوقات الأزمات، فلماذا تخفت هذه الأهمية عندما يتعلق الأمر بمساندة اقتصاده، أو تخفيف أعباء ديونه، أو دعم تنميته؟

لكن الإنصاف يقتضي أيضاً أن ننظر إلى الداخل قبل أن ننظر إلى الخارج.

فمعركتنا الكبرى ليست فقط في مواجهة الأخطار الخارجية، بل في مواجهة ما يضعف الدولة من الداخل.

معركتنا الحقيقية هي مع الفساد الذي يستنزف المال العام، ومع المحسوبية التي تقتل العدالة، ومع الهدر الذي يبدد الموارد، ومع الإدارة التي لا تُحاسب على التقصير، ومع كل دينار ضاع بغير حق.

ومعركتنا أيضاً مع إصلاح التعليم، وتطوير الإدارة، وتعزيز سيادة القانون، وترسيخ المشاركة السياسية، وبناء اقتصاد قادر على توفير فرص العمل وصون كرامة المواطنين.فهذه هي الحروب التي إذا انتصرنا فيها، انتصر الأردن كله.

إن الأمن الوطني يبدأ بخزينة مصانة، ومؤسسات قوية، وقضاء عادل، وإدارة كفؤة، ومواطن يشعر بأن مستقبله في وطنه أفضل من أي مكان آخر.ولا معنى لأن نحمي الحدود بينما تُستنزف مقدرات الدولة من الداخل.ولا معنى لأن نبحث عن أدوار إقليمية أكبر، بينما ما يزال المواطن يبحث عن حياة كريمة، وفرصة عمل، وتعليم أفضل، وخدمات تليق به.

الدولة القوية ليست الدولة التي تخوض أكبر عدد من المعارك، بل الدولة التي تعرف بدقة أي المعارك تستحق أن تخوضها، وأيها ينبغي أن تبقى بعيدة عنها.

ولهذا، فإن القضية ليست أن نكون مع إيران أو ضدها، ولا أن نكون مع الولايات المتحدة أو ضدها، ولا أن نصبح خط الدفاع الأول عن إسرائيل أو عن أي طرف آخر.

القضية ببساطة هي أن نكون مع الأردن.

مع أمنه وسيادته.
مع اقتصاده.
مع كرامة شعبه.
مع أمواله العامة.

ومع حق مواطنيه في أن يكون مستقبلهم هو الأولوية المطلقة في كل قرار سياسي أو أمني.

فالتحالفات تتغير، والمصالح الدولية لا تعرف الثبات، وأعداء اليوم قد يصبحون شركاء الغد. أما الوطن، فلا وطن لنا سواه.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس:

مع من نقف؟

بل:

كيف نحفظ الأردن من أن يدفع ثمن حرب ليست حربه، بينما ما تزال أمامه معارك داخلية أولى بالجهد والقرار والإرادة؟

الأردن أولاً… ليس شعاراً يُرفع عند الأزمات، بل مبدأ يجب أن يحكم كل قرار، لأن الأوطان لا تُصان بالشعارات، وإنما بحسن تقدير المصالح، وحماية الإنسان، وصون الدولة، ووضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار .

مواضيع قد تعجبك