*
الاربعاء: 22 تموز 2026
  • 22 تموز 2026
  • 22:41
الأردن لم يعد ممراً صار هدفاً
الكاتب: عماد داود

لكل بيت في هذا العالم قانون واحد لا يُكتب في دستور: من يُطرق بابه بأدب يبقى ضيفاً، ومن يُقتحم عليه دون استئذان يصير عدواً، ومن يُهدم بابه بلا سؤال يصير — ولو للحظة — بلا وطن.
هذا قانون البيوت في كل جغرافيا، وفي كل تاريخ.
وأنت، أياً كنت، تعرف هذا القانون في بيتك الصغير، قبل أن تعرفه في خريطة بلادك.
أما بيتنا هذا، الأردن، فله باب لم يعد يُطرق اليوم... بل يُستهدف!
كانت المسيّرات، في الأشهر الأخيرة، تعبر سماء المملكة بصمت، متجهة نحو قاعدة موفق السلطي الجوية، المعروفة أيضاً باسم قاعدة الأزرق.
ثم تغيّر كل شيء.
لم يعد الأردن ممراً في الطريق.
صار الطريق ينتهي عنده.
ومنذ تلك اللحظة، لم تعد الليالي تتشابه.
فجر الخميس، ثمانية صواريخ إيرانية دفعة واحدة، في عملية أطلقت عليها طهران اسم "الصاعقة".
وفي اليوم التالي، أصاب صاروخ باليستي إيراني وحدات سكنية داخل القاعدة نفسها.
قُتل جنديان أمريكيان، وفُقد ثالث. رفات عُثر عليها لاحقاً، لا يزال التعرّف على هويتها جارياً.
فجر السبت، عشرة صواريخ أخرى.
والأحد، ثلاثة من أربعة استهدفت العقبة، والرابع في صحراء الجنوب.
مساء الاثنين، ثلاثة صواريخ أصابت أرض المملكة، لا هامشها.
وفجر الثلاثاء، خمس مسيّرات إضافية.
واليوم الأربعاء، أربع مسيّرات عند الفجر، ثم ستة صواريخ باتجاه العقبة: أربعة اعُترضت، واثنان سقطا في أرض خالية.
لم يُصب أحد. لم يتضرر شيء. والعدّ، مع ذلك، لم يتوقف.
وحين يصبح العدّ يومياً، يتوقف السؤال عن الأرقام، ويبدأ سؤال آخر أثقل: أي مرحلة دخلتها هذه المنطقة؟
استُهدف البيت.
فلم يرفع صوته.
رفع جاهزيته.
لم يبحث عن بطولة، وإنما أدّى واجبه.
فرق سلاح الهندسة الملكي وصلت إلى كل موقع، وأمّنته بصمت من يعرف أن الصمت أحياناً هو أعلى درجات الكفاءة.
الحرب بين واشنطن وطهران، المستمرة منذ آذار الماضي، صارت حرباً تعبر أراضٍ لم تخترها، وتترك فيها أثرها، حتى وإن لم تكن طرفاً في فصل واحد منها.
فالبيت لا يُقاس بجدرانه وحدها.
أحياناً يُقاس بثمن من كانوا يحرسون بابه.
ولم يكن الأردن وحده في مرمى تلك الليالي.
الكويت اعترضت صواريخها. البحرين والسعودية حذّرتا مواطنيهما.
الخليج كله كان بيتاً واحداً تُقرع أبوابه كلها معاً.
وزعم الحرس الثوري الإيراني استهداف تجمع أمريكي في الركبان شمال الأردن، وهو ادعاء لم يصدر بشأنه تأكيد أمريكي أو أردني مستقل حتى لحظة كتابة هذه السطور.
استدعت وزارة الخارجية الأردنية القائم بأعمال السفارة الإيرانية، واحتجت بلغة لا تحتمل التأويل.
ليست هذه المرة الأولى التي يدفع فيها الأردن ثمن حرب لم يشعلها.
عام 1990، حين اجتاح العراق الكويت، لم يكن الأردن طرفاً في الغزو، لكن موقفه المتوازن كلّفه انقطاع المساعدات الأمريكية، وعودة أكثر من ثلاثمائة ألف عامل أردني من الخليج دفعة واحدة.
التاريخ لا يعيد مشاهده.
لكنه كثيراً ما يرسل الفاتورة نفسها بأسماء مختلفة.
الجغرافيا هنا لا تمنح أحداً حياداً مجانياً؛ هي تُحصي على كل بيت موقعه من الريح قبل أن تسأله عن رأيه في العاصفة.
السياسة الأردنية لم تتبدل تحت ضغط الصواريخ.
فما يُرفض في السماء يُرفض مهما كانت هوية مطلقه.
لأن الأولوية الثابتة حماية الأردن وشعبه، لا الانحياز لطرف على حساب آخر.
حماية سيادة الأردن، اليوم، مسألة إقليمية بقدر ما هي مسألة وطنية.
القوات المسلحة الأردنية تراقب الأجواء بأعلى درجات الجاهزية، ودعت المواطنين إلى استقاء المعلومات من مصادرها الرسمية وحدها.
فالشائعة، في ليالي الصواريخ، سلاحٌ ثانٍ يوازي خطر الأول.
البيوت التي تصمد أمام العواصف تُحصّن جدرانها أولاً، وتبقي على هويتها ثانياً.
الأردن لم يتحول يوماً إلى ساحة، ولا إلى طرف.
حافظ على مسافته من كل الأطراف.
وفي زمن كهذا، تصبح القدرة على حماية البيت، من دون الانجرار إلى الحرب، أصعب أشكال القوة.
ليست البطولة أن تعترض الصاروخ مرة.
البطولة أن تمنع المنطقة كلها من الاعتياد على سقوطه.
فحين تصبح الصواريخ خبراً يومياً، يكمن الخطر الحقيقي في اعتياد الناس عليه أكثر مما يكمن في الحديد نفسه.
والسؤال الذي سيكتبه المؤرخون لاحقاً لن يكون: كم صاروخاً اعترض الأردن؟
بل: متى أصبح البيت الذي كانت الحرب تمر من فوقه... واحداً من أهدافها؟!
 

مواضيع قد تعجبك