ليست القضية المطروحة اليوم مجرد تعديل في مادة قانونية تتعلق بحوافز أعضاء الهيئة التدريسية في الجامعات الرسمية، وليست أيضًا نقاشًا حول امتيازات مالية لفئة من الموظفين. القضية أعمق من ذلك بكثير؛ فهي تمس فلسفة الدولة في تعاملها مع التعليم العالي، وتطرح سؤالًا جوهريًا: هل ما زلنا ننظر إلى الأستاذ الجامعي بوصفه استثمارًا وطنيًا، أم أصبح مجرد بند إنفاق يمكن تقليصه كلما دعت الحاجة؟
لقد أثارت المادة (7/هـ) من القانون المعدل للجامعات الأردنية مخاوف واسعة بعد استثناء برامج الدراسات العليا والدراسة الخاصة من احتساب الحوافز المرتبطة بالبرنامج الموازي. وقد ينظر البعض إلى هذا الأمر على أنه تعديل مالي محدود، إلا أن انعكاساته تتجاوز الأرقام لتصل إلى جوهر البيئة الأكاديمية واستقرارها.
برامج الدراسات العليا ليست مجرد برامج أكاديمية، بل هي من أهم الروافد المالية للجامعات الرسمية، وتسهم بصورة مباشرة في دعم موازناتها وتعزيز قدرتها على الاستمرار في أداء رسالتها التعليمية والبحثية. وفي الوقت ذاته، فإن هذه البرامج لا يمكن أن تقوم أو تحقق سمعتها وجودتها إلا بوجود أعضاء هيئة تدريس مؤهلين يحملون مسؤوليات التدريس، والإشراف على الرسائل الجامعية، ومناقشتها، وإنتاج البحث العلمي، وضمان جودة العملية الأكاديمية. ومن هنا، فإن أي سياسة تستثني هذه البرامج من منظومة الحوافز تبعث برسالة مقلقة إلى من يقومون عليها، مفادها أن دورهم يمكن التقليل من قيمته رغم أنهم يشكلون أساس نجاحها.
إن الاستثمار في الأستاذ الجامعي لا يعني فقط الحفاظ على دخله، بل يعني الحفاظ على جودة الجامعة نفسها. فالأستاذ الجامعي هو الذي يبني البرامج الأكاديمية، ويقود البحث العلمي، ويؤهل الكفاءات، ويصنع البيئة الفكرية التي تقوم عليها الجامعات. وعندما يشعر بأن جهده لم يعد محل تقدير، فإن أول ما يتأثر هو الدافعية نحو البحث والإبداع، ثم تأتي بعد ذلك خسارة الجامعة لكفاءاتها، سواء بالهجرة إلى الخارج أو بالعزوف عن العمل الأكاديمي.
لقد أنفقت الدولة الأردنية، على مدى عقود، موارد كبيرة لإعداد كوادر أكاديمية متميزة، كثير منها تلقى تعليمه في أفضل الجامعات العالمية. ومن غير المنطقي أن نصل إلى مرحلة تصبح فيها البيئة الأكاديمية أقل جاذبية لأصحاب هذه الكفاءات، في وقت تتنافس فيه الجامعات الإقليمية والعالمية على استقطابهم وتوفير أفضل الظروف لهم.
والأمر لا يتعلق بالأستاذ الجامعي وحده، بل بمستقبل التعليم العالي كله. فالجامعات القوية لا تُبنى بالمباني الحديثة فقط، ولا بعدد البرامج المطروحة، وإنما تُبنى أولًا بالإنسان الذي يقف في قاعة الدرس، ويقود المختبر، ويشرف على الباحثين، ويكتب المشاريع البحثية، ويبتكر الحلول للمجتمع.
إن النظر إلى الجامعة من زاوية الكلفة المالية فقط يحمل خطرًا آخر لا يقل أهمية، وهو تكريس مفهوم "تسليع التعليم". فالجامعة ليست شركة تجارية، ورسالتها لا تُقاس فقط بميزان الإيرادات والنفقات، وإنما بما تنتجه من معرفة، وما تبنيه من عقول، وما تقدمه من حلول للتحديات الوطنية.
إن الحفاظ على مكانة الأستاذ الجامعي ليس مطلبًا نقابيًا، ولا امتيازًا لفئة بعينها، بل هو ضرورة وطنية. وكل سياسة تعزز استقرار عضو هيئة التدريس وتحفزه على العطاء هي استثمار في جودة التعليم، وفي البحث العلمي، وفي سمعة الجامعات الأردنية، وفي اقتصاد المعرفة الذي تسعى الدولة إلى بنائه.
ولعل ما يحتاجه التعليم العالي اليوم ليس تقليص الحوافز، بل إطلاق حوار وطني حقيقي حول كيفية تمكين الجامعات وأعضاء هيئاتها التدريسية من أداء رسالتهم في ظل التحديات الاقتصادية المتزايدة. فالمعلم الجامعي ليس عبئًا على الدولة، بل هو أحد أهم أصولها الاستراتيجية.
إن الأمم التي تراهن على المستقبل لا تبدأ بتقليص الاستثمار في عقولها، بل تعزز مكانة العلماء والباحثين، لأنهم الثروة الحقيقية التي لا تنضب. والأردن، الذي طالما افتخر بكفاءاته الأكاديمية، يستحق أن يحافظ على هذه الثروة، لا أن يبعث إليها برسائل قد تدفعها إلى الرحيل أو إلى فقدان الدافع للعطاء.



