خبرني - تخيل أن يتحول التاريخ المعماري للبشرية، بروعته واكتشافاته وصراعه المرير مع الأوبئة، إلى مجرد مادة دسمة لـ "طوشة" رقمية يبحث فيها هواة الصيد في الماء العكر عن أي جنازة ليشبعوا فيها لطما.
من كان يظن أن تصريحات سياسية عابرة مستوحاة من ذاكرة الخمسينيات، ستنبش وراءها "رائحة شجية" من السجال والمناكفات، ليتطوع جهابذة منصات التواصل الاجتماعي في تصنيف الشعوب وحضارتها بناء على موقع "المرحاض"؟
لقد صور مثيرو الفتن الأمر وكأن الأجداد كانوا يمارسون طقسا من التخلف، متناسين بغباء معجون بالجهل أن ذاك الحمام الخارجي القابع في زاوية الحوش كان يمثل في وقته قمة العبقرية الهندسية والصحية التي تنحني لها كبرى حضارات الأرض احترما.
بالطبع من الصعب على جيل "الواي فاي" والسيفون الذكي المضيء أن يستوعب أن إبعاد المرحاض خارج جدران السكن لم يكن بخلا أو قلة مدنية، بل كان خط دفاع أول لحماية الأنف والبشرية من غازات لا ترحم، في زمن لم تكن فيه مواسير الـ "بي في سي" ولا شبكات الصرف الصحي قد ولدت بعد.
كان الناس قديما من قاع الريف إلى قصور الأباطرة في الصين ووادي السند، يفهمون بالفطرة أن ترك الفضلات داخل غرف النوم يعني دعوة مفتوحة لملك الموت، ورغم أنهم لم يعرفوا الميكروبات باسمائها، إلا أنهم علموا أن الروائح الكريهة تجلب الوباء، فقرروا بذكاء تنحية هذا الملف الساخن خارج حدود المعيشة اليومية، بل وإن بعض الحضارات وظفته في إعادة التدوير لزراعة الأرض، في وقت لم يكن فيه مثيرو الفتن الحاليون قد وجدوا بعد ما يثيرون به النعرات.
لم يقتحم الحمام جدران البيوت ويزاحم الصالونات وغرف النوم إلا بعد رحلة شاقة قادتها الثورة الصناعية واكتشافات لويس باستور، الذي أثبت للبشرية أن الخطر الحقيقي ليس في الرائحة بل في ذباب لئيم ينقل الجراثيم من الحفر الخارجية إلى مطابخ المدن المكتظة، مما أجبر الحكومات على حفر الأرض ومد شبكات الصرف العملاقة، ليدخل الحمام إلى الداخل معززا مكرما بقوة القانون التخطيطي في النصف الأول من القرن العشرين.
وهكذا فإن استخدام هذه القفزة الهندسية الطبيعية لتهكم سطحي أو لبث فرقة بين أبناء الشعب الواحد، ليس إلا دليلا على إفلاس فكري حاد، فالأوطان لا تقاس بقصص المراحيض عبر التاريخ، بل بمدى وعي مجتمعاتها وتماسكها أمام تفاهات السوشيال ميديا التي تحاول تحويل الطرفة أو الذكرى التاريخية إلى أزمة هوية وطنية.



