أبدع الأدب الألماني في الحكاية الشعبية "عازف مزمار هاملين" حيث قاد الجموع بعزف مزماره دون اللجوء لاستخدام القوة والعنف، وما اعتبره البعض لحناً من السحر، إلا أنه في الحقيقة كان لحناً لامس في أنفس بعضهم وتراً عجز الآخرون عن اكتشافه والوصول إليه.
وإن أمعنّا النظر فالمشهد جليّ وواضح؛ فالقصة ذاتها تتكرر كل فترة زمنية بنفس الوتيرة مع اختلاف المجتمعات، وشعوب أنهكها طول انتظار محاسبة الفاسدين وإحداث التغيير المنشود. وبصرف النظر عن الشخصية المؤثرة ودوافعها والجهات الداعمة لها، فالمهم كانت وما زالت هي النتيجة المتمثلة بكشف الحقائق مدعومة بالوثائق وما يتبعها من محاسبة وردع، وهي ما يسعى له أغلبنا.
طيب!
وإن كان عازف المزمار متحدثاً فقط؟! وإن تحول عازف المزمار إلى غراب مغرور؟! سوف تُصاب الجموع بالصدمة، وأيّة صدمة مريرة تلك؟!
عموماً، اللافت في هذا النوع من الإلتفاف الجمعيّ هو قدرته العجيبة على صهر الفوارق الفردية حيث يسير الباحث عن حقيقة خلف الراكض وراء بريق الحضور، يُسحرون بالهالة المحيطة بالمتحدث، وبحديثه المسترسل الذي يجمع بين التلميح والتصريح، وبتلك الجاذبية الخفية التي تمنح شعوراً زائداً بالأهمية لمجرد كوننا جزءاً من الحكاية.
إن العبرة ليست في إطلاق الأحكام بل في إيقاظ الوعي ليكون هو القائد نحو أي نتيجة إصلاحية، فأي منا يملك مزماره الخاص ولا يمنعه أحد من العزف. لكن لو تركنا للوعي والانتباه قيادتنا لكانت النتيجة عدم التبعية لعازف بعينه؛ لا اسم صريح يُعرّف بشخصيته، ولا الوقوف على نواياه الحقيقية ولا الجهة الداعمة له.
فكما ظهر عازف المزمار فجأة وغادر فجأة، سيبقى صوت مزماره يصدح في الأفق، وسيظهر في مجتمعات أخرى بشكل آخر.



