*
الاحد: 19 تموز 2026
  • 19 تموز 2026
  • 10:11
كيف يعيد البنك المركزي الأردني صياغة قواعد الحوكمة الرقمية الإقليمية
الكاتب: د. حمزه العكاليك

قد يبدو للوهلة الأولى أن منصه لتبادل معلومات التهديدات السيبرانية مشروع تقني متخصص يهم خبراء الأمن السيبراني وحدهم إلا أن الواقع أكثر عمقًا. فالقطاع المالي يمثل العمود الفقري للاقتصاد الرقمي، وأي اضطراب واسع النطاق في أنظمة المدفوعات أو البنوك أو البنية التحتية المالية يمكن أن يمتد أثره إلى المستثمرين والأسواق والشركات وثقة المواطنين في الخدمات الرقمية. ولهذا تنظر البنوك المركزية المتقدمة إلى الأمن السيبراني بوصفه عنصرًا من عناصر الاستقرار المالي وليس مجرد وظيفة تقنية داخل المؤسسات. وتنسجم مبادرة Arab FI-ISAC مع هذا التوجه العالمي من خلال تعزيز التعاون المنظم بين السلطات النقدية العربية في تبادل وتحليل معلومات التهديدات السيبرانية وهو النموذج الذي تقوم عليه مراكز ISAC في العديد من القطاعات الحيوية حول العالم. 
وهنا تتجلى الأهمية الاستراتيجية لقيادة البنك المركزي الأردني. فالريادة لا تُقاس بإدارة المخاطر داخل حدود الدولة فقط وإنما بقدرة المؤسسة على بناء منظومات إقليمية قادرة على رفع مستوى الجاهزية الجماعية. وفي عالم الأمن السيبراني قد تكون ساعات قليلة كافية للحد من انتشار هجوم واسع أو منع استهداف عشرات المؤسسات قبل وقوع الضرر.
ولا تقتصر الفائدة على تبادل التحذيرات. فمع مرور الوقت تتشكل قاعدة معرفية عربية متخصصة في التهديدات التي تستهدف القطاع المالي تتضمن أنماط الهجمات والاتجاهات الناشئة والدروس المستفادة من الحوادث الفعلية وأفضل الممارسات في الاستجابة والتعافي. هذه المعرفة التراكمية تمنح البنوك المركزية والجهات الرقابية قدرة أفضل على تحديث الضوابط التنظيمية وتطوير متطلبات الامتثال وتحسين خطط الاستجابة للطوارئ ورفع كفاءة الاختبارات الدورية والتمارين السيبرانية. وبذلك يصبح الأمن السيبراني عملية تعلم مستمرة وليس مجرد رد فعل على حادثة منفردة.
ومن منظور اقتصادي فإن بناء قطاع مالي يتمتع بدرجة عالية من المرونة السيبرانية يعزز ثقة المؤسسات المالية والمستثمرين والمتعاملين بالمنظومة الرقمية. وبالتالي فإن تطوير مثل هذه المبادرات يسهم في تعزيز البيئة المؤسسية التي تدعم الاستقرار والثقة على المدى الطويل دون المبالغة في نسبة آثار اقتصادية مباشرة إليها. 
ولعل أهم ما يميز التجربة الأردنية هو أنها تقدم نموذجًا في القيادة المؤسسية المستدامة تقوم على رؤية استراتيجية تستثمر في الكفاءات وتمنح الفرق المتخصصة مساحة للإبداع وتبني المعرفة داخل المؤسسة بحيث تستمر وتتعاظم مع الزمن. وفي هذا السياق يبرز البنك المركزي الأردني بوصفه نموذجًا لمؤسسة متخصصة استطاعت أن تنتقل من أداء الدور التشغيلي إلى قيادة مبادرة ذات أثر إقليمي وهو انتقال يعكس نضجًا مؤسسيًا ورؤية قيادية تستحق التقدير.
إن القيمة الحقيقية لإنجاز البنك المركزي الأردني لا تكمن فقط في الحصول على اعتراف دولي ضمن أفضل خمسة مشاريع عالميًا وإنما في الرسالة الاستراتيجية التي يحملها هذا الإنجاز: أن الاستثمار في بناء المؤسسات وتمكين الكفاءات وتطوير منظومات العمل المشتركة هو الطريق الأقصر لتحقيق الريادة الدولية. 
ولقد أثبت البنك المركزي الأردني من خلال قيادته لهذا المشروع أن الأمن السيبراني لم يعد مسؤولية الإدارات التقنية وحدها بل أصبح عنصرًا أساسيًا في الحوكمة الرشيدة وإدارة المخاطر وحماية الاستقرار المالي. فالمنظمات الأكثر نجاحًا اليوم تلك التي تستطيع تحويل المعلومات إلى قرارات والخبرات إلى سياسات والتعاون إلى قدرة جماعية على التنبؤ بالمخاطر والاستجابة لها قبل أن تتحول إلى أزمات..
كما يقدم هذا النموذج درسًا مهمًا لبقية المؤسسات الوطنية؛ فالتنافس العالمي في الاقتصاد الرقمي يقوم على قدرتها على إنتاج أفكار مبتكرة وبناء شراكات فاعلة وتحويل الخبرة الوطنية إلى قيمة مضافة إقليمية ودولية. ومن هذا المنظور فإن المبادرات التي يقودها البنك المركزي الأردني تسهم في ترسيخ صورة الأردن بوصفه دولة تمتلك مؤسسات قادرة على الابتكار والتعاون وقيادة مشاريع ذات أثر يتجاوز حدودها الجغرافية وهو ما يعزز الثقة بالبيئة التنظيمية والرقمية للدولة على المدى البعيد.
وفي النهاية، فإن القصة ليست قصة منصة تقنية بل قصة قيادة مؤسسية آمنت بأن المعرفة المشتركة أقوى من العزلة وأن التعاون الإقليمي أكثر فاعلية من الجهود المنفردة وأن الاستثمار في الإنسان والمؤسسة هو الاستثمار الأكثر استدامة. فعندما تقود مؤسسة وطنية بهذا المستوى مشروعًا يحظى باعتراف عالمي فإنها لا تحقق إنجازًا لنفسها فحسب بل ترسم ملامح نموذج أردني في القيادة والحوكمة والابتكار يمكن أن يحتذى به في المنطقة العربية. 
 

مواضيع قد تعجبك