*
الاحد: 19 تموز 2026
  • 19 تموز 2026
  • 13:01
بين الاستعراض الرقمي والتحصيل الفعلي  هل تحولت المدارس إلى منصات تيك توك
الكاتب: أريج أحمد رحال

في زمن هوس المنصات الرقمية ومجتمعات الاستعراض، تسلل وباء "البهرجة" إلى أقدس المحاريب؛ الغرفة الصفية، حيث تحول العطاء التعليمي الحقيقي في بعض المدارس إلى مشهد سينمائي متكامل الأركان، تقوده معلمة تبحث عن لقب "المتميزة" أو "المبدعة" عبر كاميرا هاتفها لا عبر عقول طلابها. وتحول المعيار الحقيقي لتقييم الأداء في كثير من المؤسسات التربوية من "ماذا تعلم الطالب؟" إلى "ماذا صورت المعلمة؟"، فنرى جدراناً مزينة بالوسائل الملونة، ومجسمات كرتونية مكلفة، وورش عمل صاخبة تملأ تقارير الأداء السنوية بالثنائيات الرنانة، ليكون الهدف الخفي وراء هذا الضجيج هو حصد تقييم "ممتاز" من الإدارة والمشرفين، وبناء "بروفايل" شخصي يستعرض الإبداع الوهمي، وتصدير صورة مثالية للمجتمع تخدم مصلحة المعلمة الوظيفية فقط.

لكن خلف الكواليس، وأمام شاشات الهواتف التي توثق "النشاط المتميز"، تختبئ كارثة تربوية مرعبة؛ فحين تنطفئ الكاميرات وتُجرى الاختبارات التشخيصية الحقيقية والمحايدة تظهر الحقيقة العارية، لتجد طلاباً في صفوف متقدمة لا يتقنون المبادئ الأساسية للقراءة أو الحساب، والتحصيل الفعلي الحقيقي لبعض هذه الصفوف "المستعرضة" لا يتجاوز 10% من المادة الدراسية المقررة، فالطالب هنا لا يعدو كونه "كومبارس" في مسرحية تُخرجها المعلمة لحساب تقييمها السنوي. هذا الأسلوب الاستعراضي يفرز تصنيفاً ظالماً داخل البيئة المدرسية، فتُوج المعلمة الأكثر تصويراً والأعلى صوتاً بالأنشطة بلقب "المبدعة" حتى لو خرج طلابها بأدمغة فارغة، في حين تُظلم المعلمة المخلصة التي ترفض هدر وقت الحصة في القَص والتصوير وتركز بكل جوارحها على الشرح والتأكد من فهم كل طفل، لتصنفها الإدارات بأنها "سفاحة" أو "جامدة" و"ضعيفة الأنشطة"، رغم أن طلابها يملكون تحصيلاً علمياً حقيقياً يصل إلى 100%.

إن تسييس التعليم لصالح الغايات الشخصية وحصد الثناء الشكلي يدمر أجيالاً كاملة، فالمعلم الحقيقي لا يحتاج إلى "فلاش" الكاميرا لكي يضيء عقول طلابه، والتميز لا يُقاس بعدد الأوراق الملونة الملقاة في سلة المهملات بعد انتهاء جولة المفتش، بل بالمهارات التي تبقى راسخة في عقول التلاميذ وبناء شخصياتهم. إننا بحاجة ثورية إلى إعادة ضبط بوصلة التقييم التربوي، بحيث يسقط "صنم" الأنشطة الاستعراضية، ويعود الاختبار التحصيلي الحقيقي والمستقل للطالب هو الفيصل الوحيد والحاسم في تصنيف كفاءة المعلم، ودون ذلك، سنستمر في إنتاج جيل يملك صوراً رائعة ليومياته المدرسية، لكنه لا يملك مكاناً حقيقياً في مستقبل الأمة.

 

مواضيع قد تعجبك