لو كانت الخلافات الزوجية تؤدي الى جريمة قتل داخل المنظومة الاسرية، لما بقي زواج على قيد الحياة، فالجريمة ليست حدثًا مفاجئًا، بل غالبًا تكون الفصل الأخير في علاقة زوجية تراكمت فيها الخلافات بصمت، وانهار فيها المودة والاحترام، وتحول فيها الشريك من مصدر للأمان والطمأنينة إلى مصدر للخوف والقلق وعدم الاستقرار.
أعادت جريمة زوجية هزّت الرأي العام طرح سؤال يتجاوز تفاصيل القضية نفسها، كيف يمكن لعلاقة بدأت بالمودة والرحمة أن تنتهي بهذه الصورة البشعة؟
سريعا يعزى ذلك الى الخلافات الزوجية ونسارع الى كيل الاتهامات على الجاني وأحيانا على المجني عليه لنبرر له جريمته. فلو كانت الخلافات سببًا كافيًا للقتل، لانتهت معظم الزيجات بجرائم مختلفة في حدتها، ملايين الأزواج يختلفون يوميًا، لكنهم لا يلجؤون إلى أقصى درجات العنف. ما يصنع الكارثة ليس وجود الخلاف، بل الطريقة التي يُدار بها، والعوامل التي تتراكم حوله حتى تدفع العلاقة إلى نقطة يفقد الانسان انسانيته ويتحول الى مجرب في طريق اللاعودة.
في علم النفس، لا تقع الجرائم الأسرية عادة نتيجة لحظة غضب عابرة، بل بعد مسار طويل من الصراع والمعاناة، يبدأ بانهيار الحوار، ثم يتراجع الاحترام، ويتحول الاختلاف إلى احتقار، ثم إلى خوف أو سيطرة أو رغبة في الانتقام، وعند هذه المرحلة، لا يعود الطرف الآخر يُرى شريكًا في الحياة، بل مشكلة يجب التخلص منها ويزداد ذلك عندما يدرك الشريك ان القيود والظروف الاجتماعية والاقتصادية لن تعطيه فرصة أخرى للخلاص.
لكن من المهم أيضًا ألا نعمم هذا النمط على جميع العلاقات، فبعضها لا ينهار بشكل متبادل، بل تتحول فيه الكفة لمصلحة أحد الطرفين الذي يمارس سيطرة قسرية أو عنفًا نفسيًا أو جسديًا مستمرًا، بينما يعيش الطرف الآخر في دائرة من الخوف أو العجز عن الخروج من العلاقة، وهذه الأنماط تُعد من أخطر مؤشرات العنف الأسري، وتستدعي تدخلًا مبكرًا قبل أن تتفاقم.
كما أن ضعف التواصل وحده لا يفسر الجرائم الشديدة، فالأبحاث تشير إلى أن تصاعد العنف غالبًا ما يتداخل مع عوامل أخرى، مثل الضغوط الاقتصادية، أو الاضطرابات النفسية غير المعالجة، أو الإدمان، أو تاريخ سابق من العنف، أو أنماط تنشئة تُبرر السيطرة وتربط القوة بالهيمنة، وعندما تجتمع هذه العوامل مع غياب الدعم الأسري أو المهني، تصبح العلاقة أكثر هشاشة وأكثر قابلية للانفجار.
وفي مجتمعنا، لا تزال الوصمة الاجتماعية تمنع كثيرين من طلب المساعدة، خوفًا من نظرة الناس أو حفاظًا على صورة الأسرة أو تحت ضغط عبارات مثل اصبروا من أجل الأولاد أو الصلح خير حتى عندما تكون العلاقة قد أصبحت مصدر خطر حقيقي، لذلك، فإن طلب المساندة النفسية أو الأسرية، أو حتى إنهاء العلاقة بطريقة قانونية وآمنة، ليس فشلًا، بل قد يكون القرار الذي يحمي حياة إنسان.
قد تكشف التحقيقات والمحاكمة تفاصيل إضافية في هذه القضية، لكن الحقيقة التي لا تتغير هي أن الجريمة لا تولد في لحظة، بل تسبقها غالبًا سنوات من الإشارات التي لم يلتفت إليها أحد.
وربما لم يعد السؤال الأهم: من قتل؟ بل متى تحولت المودة إلى خوف؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال لا تساعدنا على فهم جريمة واحدة فحسب، بل قد تمنع الجريمة التالية قبل أن تتحول إلى عنوان جديد في صفحات الأخبار.



