أصبحت الخدمات المصرفية الإلكترونية اليوم عصباً رئيسياً للحياة الاقتصادية، فمن خلالها تُنفذ التحويلات المالية، وتُجرى عمليات الدفع، والتقاص، والتسويات، وتدار ملايين المعاملات يومياً دون الحاجة إلى التعامل الورقي أو الحضور الشخصي. ومع هذا التحول الرقمي، لم تعد الجرائم الإلكترونية تستهدف الأفراد فحسب، بل أصبحت تستهدف البنية المالية للدولة وثقة المجتمع بالنظام المصرفي. ولهذا أفرد المشرع الأردني المادة (9) من قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023 لحماية هذه الخدمات بعقوبات مشددة تعكس خطورة المساس بها.
ويأتي هذا المقال ضمن سلسلة "قراءة تحليلية في قانون الجرائم الإلكترونية" التي تتناول بعض مواد القانون مادة بعد أخرى، لبيان فلسفة المشرع وشرح النصوص القانونية بلغة تجمع بين الدقة القانونية والوعي المجتمعي، انطلاقاً من أن المعرفة بالقانون تمثل إحدى أهم وسائل الوقاية من الجريمة.
وتكشف المادة (9) عن سياسة تشريعية مختلفة عن المواد السابقة، فهي لم تستحدث جريمة إلكترونية جديدة بأركان مستقلة، وإنما أحالت إلى الجرائم المنصوص عليها في المواد (3) و(5) و(6) و(7) و(8)، ثم شددت العقوبة إذا وقعت أي من هذه الجرائم على نظام معلومات، أو وسيلة تقنية معلومات، أو موقع إلكتروني، أو شبكة معلوماتية تتعلق بتحويل الأموال، أو خدمات الدفع، أو التقاص، أو التسويات، أو أي من الخدمات المصرفية المقدمة من البنوك أو الشركات المالية.
ويعني ذلك أن الأفعال التي سبق للمشرع تجريمها في المواد المشار إليها سابقاً ، كالدخول غير المصرح به، أو إنشاء الحسابات أو المواقع المزورة، أو استخدام البرامج والأوامر البرمجية الخبيثة، أو اعتراض البيانات، أو الحصول غير المشروع على البيانات المالية، تكتسب وصفاً أشد إذا كان محل الاعتداء يتعلق بالخدمات المصرفية الإلكترونية. فالمشرع لم يغير طبيعة هذه الأفعال، وإنما شدد وصفها الجزائي بالنظر إلى خطورة المصلحة المعتدى عليها.
ويبرز من خلال هذا النص إدراك المشرع أن الاعتداء على الأنظمة المصرفية لا يمس مؤسسة مالية بعينها، وإنما قد ينعكس على استقرار القطاع المالي بأكمله، ويؤثر في الثقة بالتعاملات الإلكترونية، ويهدد مصالح آلاف العملاء والمتعاملين، فضلاً عما قد يترتب عليه من آثار اقتصادية تتجاوز حدود الجريمة ذاتها.
كما أن المادة لم تحصر الحماية بعمليات تحويل الأموال فقط، وإنما وسعتها لتشمل خدمات الدفع الإلكتروني، والتقاص، والتسويات، وسائر الخدمات المصرفية الإلكترونية. ويعكس هذا التوسع رغبة المشرع في توفير مظلة حماية شاملة لكل ما يرتبط بالنشاط المصرفي الرقمي، إدراكاً منه لتطور وسائل الاعتداء الإلكتروني وتعدد صورها.
ومن اللافت أن المادة (9) قررت عقوبة موحدة لجميع هذه الصور، بغض النظر عن الجريمة الأصلية التي أحالت إليها، متى كان الاعتداء موجهاً إلى الأنظمة أو الشبكات أو المواقع المتعلقة بالخدمات المصرفية الإلكترونية. فقد نصت على معاقبة الفاعل بالأشغال المؤقتة مدة لا تقل عن خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن (25000) دينار ولا تزيد على (75000) دينار، وهو ما يؤكد أن المشرع اعتبر هذه الجرائم من الجنايات بالنظر إلى خطورتها وآثارها المحتملة على الأمن الاقتصادي والمالي.
إن هذه السياسة التشريعية تكشف عن توجه واضح نحو حماية الثقة بالقطاع المصرفي، لأن أي اختراق أو تزوير أو اعتراض أو استيلاء على بيانات الخدمات المصرفية لا يقتصر أثره على خسارة مالية مباشرة، وإنما قد يؤدي إلى زعزعة الثقة بالنظام المالي الإلكتروني، وهي ثقة تمثل أحد أهم مقومات الاقتصاد الحديث.
ومن أهم النتائج القانونية المهمة المترتبة على اعتبار هذه الجرائم جنايات، أن الشروع فيها يصبح معاقباً عليه وفقاً للقواعد العامة في قانون العقوبات، حتى وإن كانت الجرائم الأصلية الواردة في المواد (3) و(5) و(6) و(7) و(8) تعد في أصلها من الجنح التي لا يعاقب على الشروع فيها إلا بنص خاص. فبمجرد أن تقع هذه الأفعال على الأنظمة أو الخدمات المصرفية التي حددتها المادة (9) فإن وصفها الجرمي يتغير إلى جناية، ويصبح الشروع فيها خاضعاً للأحكام العامة المنظمة للشروع في الجنايات.
إن المادة (9) تؤكد أن المشرع الأردني اعتبر الخدمات المصرفية الإلكترونية ركناً أساسياً من أركان الأمن الاقتصادي، وليست مجرد وسيلة لتقديم الخدمات المالية. ولذلك شدد الحماية الجزائية المقررة لها، إيماناً بأن أي اعتداء عليها لا يهدد أموال الأفراد والمؤسسات فحسب، بل يمس الثقة بالقطاع المصرفي والاستقرار الاقتصادي للدولة، وهو ما استوجب مواجهته بعقوبات رادعة تتناسب مع جسامة هذا الخطر.



