*
الخميس: 09 تموز 2026
  • 09 تموز 2026
  • 09:55
الأردن النهر الذي بدأ حلما
الكاتب: عماد داود

نام طفل في قرية على أطراف الشمال وهو عطشان، وحلم أن النهر عرف الطريق إلى البيت.

الطفل يحلم بالماء... والسياسة تتحدث بالأرقام.

لم يفهم الحلم، لكنه احتفظ به تحت وسادته كأنه سر.

في تلك الأثناء، كانت تل أبيب تلوّح بعدم تمديد اتفاقية المياه الإضافية.

خمسون مليون متر مكعب كانت تصل سنويا مقابل سنت واحد للمتر.

من ظن أن قطع الماء عقابا، لم يعرف أنه كان تحريرا!

الدول لا تنتصر حين تجد الماء، بل حين تتوقف عن انتظار أن يمنحها أحد الماء.

الأردن لم يقف عند الباب يستجدي.

وقّع الاتفاقية الفنية النهائية لمشروع الناقل الوطني.

خمسة مليارات وثمانمئة مليون دولار تتحول من رقم في تقرير إلى ملامح نهر يخرج من الورق.

ثلاثمئة مليون متر مكعب من مياه العقبة تصعد أكثر من ألف ومئة متر لتصل عمان.

هذا ليس مشروع أنابيب... هذا حلم طفل يتحول إلى خرسانة.

جدته كانت تمشي كيلومترات لتملأ جرة.

رحلت قبل أن ترى النهر يدخل البيت وحده.

لكن الماء وحده لا يكفي... فلا نهر يعيش إذا تُركت ضفافه للعبث.

الليل نفسه صار مسرحا لمن لا يُرى.

شبكات تهريب سلاح ومسيّرات تعبر الحدود الشمالية والشرقية تحت غطاء الظلام.

ظلال تتحرك في الليل... لكن الفجر يعرف أصحابها.

والسحر الذي بدا في الظلام مقنعا يصبح في النهار مجرد خدعة مكشوفة!

الضفة الغربية تُدفع في وضح النهار نحو الانفجار، استيطان يتوسع وخنق مالي يشتد.

أي زلزال هناك يهز الأساس الذي يقف عليه الأردن نفسه.

ومحاولات متكررة في العلن لتفريغ الوصاية الهاشمية على المقدسات من مضمونها.

الوصاية عقد تاريخي بيد صاحبه وحده، لا وظيفة تُدار بقرار إداري.

أربع محاولات اختراق في وقت واحد، ليلية ونهارية.

هذه هندسة أزمة، لا سوء حظ.

ومنذ العام الماضي، تُعد الحكومة خططا بديلة بصمت، قبل أن يصل التهديد إلى الميكروفونات.

آبار قديمة تُرمم، وآبار جديدة تُحفر، ومصادر لم تكن تُحسب من قبل تدخل الحساب اليوم.

يبني الأردن قلبه من الداخل لا من الخارج.

جبهة داخلية لا تهتز بالشائعة.

وموقع جغرافي يجعل من اهتزاز الأردن كارثة يخسر فيها الجميع، لا طرف واحد.

هذه عقيدة الردع.

لأن بعض الينابيع لا تنبع من الأرض... بل من قرار الدولة!

الطفل الذي نام على عطش سيكبر قبل أن يكتمل المشروع.

لكنه لن يكبر وهو يحلم بالماء.

سيكبر وهو يعرف أن بلاده حوّلت حلمه إلى قرار سيادة.

ومن يسأل الطفل النائم في الشمال ماذا رأى الليلة، سيعرف عند الفجر أن الحلم لم يكن سحرا يزول.

النهر لا يبدأ حين يصل الماء... النهر يبدأ يوم يقرر شعب ألا يعيش رهينة لماء غيره.

وحين يكبر ذلك الطفل، لن يسأل إن كان الحلم قد تحقق...

لأنه سيكون واحدا ممن حوّلوا الحلم إلى نهر!

[email protected]

مواضيع قد تعجبك