ليست الصدمة في أن الأردن سجل 22,031 قضية مخدرات خلال عام واحد، بل في أن هذا الرقم لم يعد يفاجئ كثيرين. وكأننا بدأنا نعتاد على أخبار كان ينبغي أن تهز المجتمع بأكمله.
المخدرات لم تعد تعني متعاطياً ومروجاً فقط، بل تعني أسرة فقدت ابنها، وأباً يراقب ابنه وهو يضيع أمام عينيه، وأماً تنام كل ليلة وهي تخشى اتصالاً يبدد ما تبقى من حلمها، وشاباً كان يمكن أن يكون طبيباً أو مهندساً أو معلماً، فإذا به يتحول إلى رقم في ملف جنائي.
الخطير أن المخدرات لا تأتي وحدها، بل تجر خلفها سلسلة من المآسي. فكم من سرقة كان دافعها التعاطي؟ وكم من اعتداء أو جريمة قتل أو عنف أسري كانت المخدرات أحد أسبابها؟ وكم من مستقبل انتهى قبل أن يبدأ؟
قد تنجح الأجهزة الأمنية في القبض على المروج، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنع ظهور مروج جديد إذا بقي الطلب قائماً. ولهذا فإن معركة المخدرات ليست معركة أمن فقط، بل معركة تربية، وأسرة، وتعليم، وإعلام، وفرص عمل، وعدالة اجتماعية، وأمل يحول بين الشباب وبين طريق الهلاك.
لا يجوز أن تمر 22 ألف قضية وكأنها رقم عابر في تقرير رسمي. فهذا الرقم يعني أن الخطر يقترب من كل حي، وكل مدرسة، وكل جامعة، وكل بيت. ومن يظن أن المخدرات مشكلة تخص الآخرين، قد يكتشف متأخراً أنها أصبحت على باب منزله.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس انتشار المخدرات فحسب، بل الاعتياد على انتشارها. فعندما نفقد حساسية الخوف من هذه الأرقام، نكون قد خسرنا نصف المعركة.
اليوم، لا نحتاج إلى مزيد من الإحصاءات بقدر ما نحتاج إلى إعلان حالة استنفار وطني حقيقي. فحماية الحدود مهمة، لكن حماية العقول أهم. وإذا كان الوطن يبنى بسواعد شبابه، فإنه قد يهدم أيضاً إذا التهمت المخدرات تلك السواعد.
إن المخدرات لا تسرق شبابنا فقط… بل تسرق مستقبل الأردن، بصمت.



