*
الخميس: 09 تموز 2026
  • 09 تموز 2026
  • 09:52
الاستيلاء على الدولة
الكاتب: زهير الشرمان

يُختزل الفساد في الوعي العام غالبا في صور مألوفة؛ رشوة تُدفع، أو مال عام يُختلس، أو مسؤول يستغل منصبه لتحقيق منفعة شخصية. لكن الأدبيات الحديثة في الاقتصاد السياسي والحوكمة تتحدث عن شكل أكثر تعقيدا وخطورة من الفساد، لا يقوم على مخالفة القانون، بل على التأثير في صناعته وتطبيقه بما يخدم مصالح خاصة. ويُعرف هذا النمط بمفهوم "الاستيلاء على الدولة".

وقد استخدم البنك الدولي هذا المفهوم لوصف الحالات التي تتمكن فيها جهات نافذة، اقتصادية كانت أو سياسية أو غيرها، من التأثير بصورة غير متناسبة في صياغة القوانين والسياسات واللوائح، أو في آليات تنفيذها، بما يحقق مصالحها الخاصة على حساب المصلحة العامة.

وهنا يكمن الفارق الجوهري بين الفساد التقليدي والاستيلاء على الدولة. فالفساد التقليدي يعني خرق القواعد القائمة أو التحايل عليها، أما الاستيلاء على الدولة فيبدأ عندما يصبح النفوذ قادرا على التأثير في القواعد نفسها، أو في طريقة تطبيقها، بحيث تميل المؤسسات العامة إلى الاستجابة لمراكز القوة أكثر من استجابتها للمواطنين.

ولا يعني ذلك أن كل قرار حكومي يخدم قطاعا اقتصاديا معينا، أو كل تشريع يحقق منفعة لفئة محددة، يمثل حالة من الاستيلاء على الدولة. فالسياسات العامة بطبيعتها تقوم على الموازنة بين مصالح متعددة. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح القدرة على التأثير في التشريع أو التنظيم أو الرقابة حكرا على فئة محدودة تمتلك نفوذا دائما يفوق قدرة بقية المجتمع على المشاركة أو المساءلة.

وعندما يحدث ذلك، لا يقتصر الضرر على انتشار الفساد، بل يمتد إلى إضعاف الدولة نفسها. فكلما تراجعت استقلالية المؤسسات، وقلت شفافية صنع القرار، وضعفت أدوات الرقابة والمساءلة، تراجعت ثقة المواطنين في سيادة القانون، واتسعت الفجوة بين الدولة والمجتمع.

ومن المهم التأكيد أن ظاهرة الاستيلاء على الدولة ليست مرتبطة بسلطة سياسية معينة أو بمنطقة جغرافية محددة. فقد تناولتها دراسات أكاديمية وتقارير دولية في دول ذات مستويات مختلفة من التنمية، ما يؤكد أنها خطر مؤسسي يمكن أن يواجه أي دولة إذا اختل التوازن بين السلطة والنفوذ والمساءلة.

ولهذا، فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تبدأ فقط بملاحقة جرائم الرشوة والاختلاس، بل بإقامة مؤسسات مستقلة، وتعزيز شفافية صنع القرار، وترسيخ استقلال القضاء، وحماية الإعلام الحر، ووضع قواعد تحد من تضارب المصالح، وتضمن تكافؤ الفرص في الوصول إلى عملية صنع السياسات.

فالدولة القوية ليست تلك التي تكثر من سن القوانين، بل تلك التي تضمن أن تظل قوانينها معبرة عن المصلحة العامة، لا عن إرادة الأقوى أو نفوذ الأكثر تأثيرا.

وحين يصل النفوذ إلى حد تشكيل القواعد التي تنظم حياة الناس، تصبح مخالفة القانون مجرد نتيجة، لا أصل المشكلة. فالقضية الحقيقية ليست: من خالف القانون؟ بل: كيف وُلد هذا القانون، ولصالح من؟

زهير الشرمان

مواضيع قد تعجبك