*
الاحد: 05 تموز 2026
  • 05 تموز 2026
  • 10:45
مبادرة الكرك  الجاهزية البشرية للأردن الجديد من التأهيل إلى السيادة التنموية
الكاتب: عباس مرتضى النوايسة

بين المشاريع الكبرى والتحولات الاقتصادية المقبلة، يطرح المقال سؤال الجاهزية الوطنية: كيف يتحول تأهيل المهندسين والشباب الأردني إلى رافعة سيادية للتنمية لا مجرد استجابة متأخرة لسوق العمل؟
لا يتصل الحديث هنا بمشاريع عابرة أو مبادرات محدودة الأثر، بل بحزمة من التحولات الاستراتيجية الكبرى التي بدأت ملامحها تتشكل في الأردن، وباستثمارات تُقدَّر بنحو 21 مليار دولار وفق القيم المعلنة أو التقديرية.
وفي مقدمة هذه التحولات يبرز الناقل الوطني للمياه، وسكة الحديد، ومشروع الأمونيا الخضراء، وربط حقل الريشة بالخط العربي للغاز، إلى جانب التوسعة الجنوبية لشركة البوتاس العربية، وتوسعة شركة برومين الأردن، وتوسعات شركة مناجم الفوسفات الأردنية.
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن هذه المشاريع لن تقتصر آثارها على البنية التحتية والاستثمار فحسب، بل ستفتح أبواباً واسعة أمام سوق العمل، مع حاجة متوقعة إلى عشرات الآلاف خلال مرحلة التأسيس والإنشاء، واستمرار الطلب بعد التشغيل على آلاف الوظائف الدائمة في التخصصات الهندسية والفنية والمساندة.
لا يمكن أن تمرّ الأرقام التي تتحدث عن المشاريع الكبرى المقبلة في الأردن، وما يرافقها من توسعات في قطاعات المياه والطاقة والتعدين والسكك والخدمات اللوجستية، من أمام عين من يفكر بمستقبل هذا البلد، دون أن يرى فيها أكثر من مجرد فرص عمل أو عقود إنشاء. نحن هنا أمام لحظة وطنية مكتملة المعنى، لأن الحديث لم يعد عن مشاريع منفردة ولا عن برامج تدريب متناثرة، بل عن سؤال أكبر: هل نملك، كدولة، من الجاهزية البشرية والمعرفية ما يجعلنا شركاء حقيقيين في بناء ما سيقام على أرضنا، أم سنبقى نراقب الفرص وهي تمرّ بين أيدينا إلى غيرنا؟
لقد اعتاد الأردنيون، في كل منعطف اقتصادي، أن يتحدثوا عن التمويل، وأن ينشغلوا بالأرقام، وأن يختلفوا حول الكلفة والعائد والجدوى. لكن الحقيقة التي لا ينبغي أن تغيب عن أحد هي أن أخطر ما يمكن أن تواجهه دولة لا يكمن فقط في نقص المال، بل في نقص الإنسان الجاهز. فالمشروع مهما كبر حجمه، ومهما تعددت مصادر تمويله، ومهما زخرفت له الخطط والدراسات، لن يحقق أثره الوطني الكامل إذا لم يجد حوله عقلاً أردنياً قادراً على الفهم والتشغيل والإدارة والتطوير.
وعليه فإن الحديث عن تأهيل الكوادر من الطلاب وحديثي التخرج ليس تفصيلاً فنياً في ذيل السياسات العامة، بل هو في جوهره حديث عن السيادة الاقتصادية، وعن الحق في أن يكون للأردنيين موضع قدم متين في مستقبل بلادهم.
المشكلة ليست في أن الجامعات الأردنية تخرّج أعداداً كبيرة من المهندسين، فهذه في أصلها نعمة لا نقمة، وإنما في أن الفجوة ما زالت واسعة بين ما يُدرّس في القاعات وما يُطلب في المواقع والمصانع ومحطات الطاقة ومرافق المياه ومشاريع التعدين والنقل. هناك طلب متزايد على مهارات لا يكفي فيها التفوق النظري وحده، مهارات لا يمكن أن تُترك للاجتهاد الفردي أو للمصادفة أو لمزاج السوق، بل يجب أن تُبنى لها منظومة وطنية واضحة، تربط التعليم بالتطبيق، وتربط التخرج بالجاهزية، وتربط الجاهزية بالتشغيل.
ولأن العالم لا ينتظر المتأخرين، فإن ما يحدث اليوم في أسواق العمل الدولية يضيف بعداً آخر إلى هذا التحدي. فالمهارات تتغير بسرعة، والقطاعات الصناعية لم تعد تنظر إلى الشهادة باعتبارها كافية بذاتها، بل أصبحت تنظر إلى القدرة الفعلية على الإنجاز، وإلى المهارة القابلة للقياس، وإلى الكفاءة التي تختصر زمن التدريب الأولي وتقلل كلفة التعلم داخل العمل. وحين ندرك أن المشاريع الكبرى التي ستقام في الأردن خلال السنوات المقبلة ستعمل في بيئات تشغيلية معقدة، وبمواصفات فنية عالمية، وبشراكات متعددة الجنسيات، يصبح من العبث أن نستمر في تخريج مهندس بذات مواصفات الأمس، هناك حاجة لثورة تجديدية في المساق والثقافة والتأهيل.
إن الحاجة هنا ليست إلى دورات قصيرة متفرقة، ولا إلى شعارات فضفاضة عن تمكين الشباب، بل إلى مشروع وطني متكامل للجاهزية الهندسية، يبدأ من السنوات الأولى للدراسة الجامعية، ويمر بمسارات تخصصية مرتبطة فعلاً باحتياجات القطاعات المقبلة، وينتهي بربط مباشر مع الشركات والمشاريع ومواقع التدريب العملي. نحتاج إلى بناء مهندسٍ جاهز للتدريب، ثم مهندسٍ جاهز للعمل، ثم مهندسٍ جاهز للمشاريع الكبرى. وهذه ليست ترفاً تنظيمياً، بل تسلسل طبيعي لأي دولة تريد أن تحوّل كتلتها الشبابية إلى قوة إنتاجية حقيقية.
وليس هذا الطرح بعيداً عن المسار الأوسع الذي اختاره الأردن لنفسه في مشاريع التحديث ورؤية التحديث الاقتصادي، فهذه الرؤية لا تُقاس بعدد المشاريع التي تُعلن، ولا بحجم الاستثمارات التي تُرصَد لها فحسب، بل بقدرة الدولة على تحويلها إلى فرص تشغيل نوعية، وإلى خبرة وطنية متراكمة، وإلى كفاءات محلية تمسك بمفاصل التنفيذ والتشغيل والتطوير. ومن هنا، فإن الجاهزية الهندسية لا تبدو تفصيلاً مكملاً في خطاب التحديث، بل أحد شروطه العملية، لأن الاقتصاد الذي يريد أن ينمو بثقة يحتاج، قبل كل شيء، إلى إنسان جاهز ليحمل هذا النمو على كتفيه.
وفي هذا السياق، عُقد في الكرك لقاء بتنظيم من لجنة المهندسين الشباب في الكرك ضم النقيب وأعضاء مجلس النقابة ولجان المهندسين الشباب في المملكة وبتنظيم من مجلس فرع النقابة في الكرك أطلق مبادرة الكرك " جاهزية المهندسين الأردنيين 2026-2032 " أفضى إلى  تصور لبرنامج وطني للجاهزية الهندسية، يقوم على دمج التأهيل الفني، واللغة الإنجليزية المهنية، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والمهارات السلوكية والمهنية، ولا ينبغي أن يُنظر إليه كوثيقة تدريب فحسب، بل كنواة لتحول أوسع في فهم الدولة والقطاع الخاص والجامعات لمعنى الاستثمار في الإنسان. لأن الاستثمار في البنية التحتية دون الاستثمار في الكفاءة الوطنية التي ستشغّلها وتطوّرها وتستوعب أثرها، هو نصف مشروع، بل قد يكون مشروعاً منقوص السيادة.
والأردن الذي عرف عبر عقوده الطويلة كيف يبني خبرات محترمة في قطاعات الإنتاج والتعدين والطاقة والصناعة، ليس عاجزاً عن أن يعمّم هذه التجارب في مجال بناء رأس المال البشري الهندسي. ففي البلد جامعات، ونقابة، وشركات كبرى، ومهندسون ذوو خبرة، وقطاعات واعدة، ونماذج أردنية تقود كبريات الشركات. وفوق كل ذلك، هناك دعم رسمي عالي المستوى يتجلى في الحرص المستمر على مساندة التجارب الوطنية الناجحة. وكل هذه العناصر كافية للانطلاق إذا حضرت الإرادة، ووُضعت الحوكمة، وتحدد التمويل، وربط كل ذلك بهدف واضح: تنمية شاملة للمكان والإنسان.
ولعل أجمل ما في هذا الطرح أنه لا يستند إلى وهم، ولا إلى خطاب عاطفي منفصل عن الواقع، بل إلى فهم مباشر لطبيعة ما هو قادم. فالمياه ومشروع الأمونيا الخضراء ستحتاج إلى مختصين في التحلية والضخ والتحكم، والطاقة ستحتاج إلى كفاءات في الأنظمة الصناعية والتخزين والتحليل، والتعدين سيحتاج إلى خبرات في السلامة والعمليات والتحكم والصيانة، والسكك والخدمات اللوجستية ستحتاج إلى مهندسين يفهمون الأنظمة، والإشارات، والربط التشغيلي. وإذا لم نبدأ الآن بإعداد هذه الكفاءات، فإننا لن نشتكي غداً من البطالة فقط، بل من ضياع الفرصة الوطنية في أن يكون للأردنيين الموقع الطبيعي في دورة القيمة التي تُبنى داخل بلدهم.
إن التحرر لا يكون بالشعارات وحدها، كما أن التنمية ضرورة. والتحرر، في أحد معانيه المعاصرة، أن نبني قدرة وطنية تجعلنا أقل حاجة إلى استيراد الخبرة في كل مرة، وأقلَّ ارتهاناً للخارج في الوظائف النوعية، وأكثر قدرة على تحويل المشاريع من إنفاق رأسمالي إلى معرفة متراكمة داخل البلد. ومن هنا يصبح تدريب المهندسين مشروعاً سيادياً بقدر ما هو مشروع تعليمي أو تشغيلي، لأن من يمتلك المعرفة التطبيقية يمتلك جزءاً أصيلاً من قراره الاقتصادي.
لسنا بحاجة إلى أن نكتشف المعادلة من جديد. ما نحتاجه فقط هو أن نأخذ مسألة الجاهزية الهندسية بما تستحقه من جدية، وأن ننتقل بها من الورق إلى التنفيذ، ومن التوصية إلى المؤسسة، ومن النية إلى الأثر. وحين يحدث ذلك، لن يكون الحديث عن تأهيل المهندسين مجرد بند في خطة، بل بداية لمرحلة يصبح فيها الإنسان الأردني، بعلمه ومهارته وكفاءته، هو الرافعة الأصدق لبناء الأردن الذي نريد، وما يسري على الهندسة سيشمل قطاعات التدريب المهني والدبلوم المهني والتقني.
وإذا كان الأردن مقبلاً على هذا الامتحان التنموي الكبير، فإن تحويل الفرصة إلى أثر لا يمكن أن يُترك لحسن النوايا ولا لتشتت المبادرات، بل يحتاج إلى استراتيجية وطنية جامعة لتأهيل الشباب الأردني وفق متطلبات هذه المشاريع، استراتيجية لا تُدار بوصفها برنامجاً موسمياً، بل بوصفها مظلة رسمية ذات ولاية واضحة، تتقدمها مؤسسة ولي العهد ورئاسة الوزراء باعتبارهما الحامل الأقدر على جمع الخيوط الوطنية في مشروع واحد، وتساندها الوزارات المعنية، من التعليم العالي والعمل والاقتصاد الرقمي والريادة، إلى هيئات الاعتماد والتطوير المهني، بما تملكه من قدرة على الإسناد المؤسسي، والاعتماد، والربط مع سياسات التشغيل الوطنية. وفي قلب هذه المنظومة تأتي الجامعات الأردنية، لا كممر للتخريج فقط، بل كشريك في تطوير المحتوى ومواءمته مع احتياجات السوق، والإمداد بالمدربين، وتوفير المختبرات والمشرفين الأكاديميين والبنية التحتية اللازمة، فيما تضطلع نقابة المهندسين ومراكز التدريب بدور الاعتماد المهني، والبرامج التدريبية المتكاملة، والاختبارات والشهادات، وربط الخريجين بفرص التدريب. أما القطاع الخاص الصناعي والمشاريع الكبرى، فهو المعني بأن يفتح مواقع التدريب العملي، ويوفر البيئات الميدانية والمدربين الزائرين، ويحدد المهارات المطلوبة قبل أن يتشكل العجز لا بعده، فيما يشكل شركاء التمويل والتنمية رافعة لازمة عبر المنح التنموية، والتمويل المشترك. وبهذا وحده يمكن أن ينتقل الحديث عن التأهيل من دائرة التمني إلى مجال الفعل، ومن خطاب الدعم إلى بنية وطنية قادرة على القياس والاستدامة والأثر.
الأردن لا تنقصه الأحلام، بل يحتاج إلى أن يسبق الزمن بخطةٍ تُعدّ أبناءه لما هو قادم. وعندما يصبح تأهيل الشباب جزءاً من منطق الدولة، لا مجرد استجابة متأخرة لحاجات السوق، فإن المشاريع الكبرى لن تبقى أرقاماً في نشرات الاقتصاد، بل ستغدو فرصة وطنية مكتملة الأثر، تُبنى بسواعد الأردنيين، وتترسخ بعقولهم، وتُحفظ لهم فيها الحصة التي تليق ببلدٍ يعرف أن نهضته تبدأ من الإنسان.
" مبادرة الكرك " تم الإعلان عنها وشرحها بالتفصيل للنقيب والضيوف، وقد لاقت اجماعا وتبنياً نقابيا وأصبحت اليوم أولوية نقابية لأنها خارطة طريق تصلح للتعميم على كامل القطاعات التنموية في الأردن كما وصفها النقيب أبو عاصم "عبدالله غوشة “. 
لقد جاءت “مبادرة الكرك” لتؤكد أن الجاهزية الهندسية لم تعد مطلباً قطاعياً محدوداً، بل أصبحت حاجة وطنية قابلة للتعميم على مختلف مسارات التنمية في الأردن. وقد حظيت المبادرة باهتمام نقابي واضح، وبنقاش جاد حول إمكانية تحويلها إلى مسار مؤسسي أوسع، يربط النقابة والجامعات والقطاع الخاص والجهات الحكومية في برنامج وطني منظم لإعداد الكفاءات الأردنية للمشاريع الكبرى المقبلة. إن قيمة هذه المبادرة لا تكمن فقط في توقيتها، بل في قدرتها على تحويل القلق من المستقبل إلى خطة عمل، وتحويل الطموح الوطني إلى مسار قابل للتنفيذ والقياس

سعادة النقيب وأعضاء المجلس تحمسوا للمبادرة وتشير المتابعات الأولية إلى توجه جاد لرفع المبادرة إلى الجهات الحكومية المختصة عبر سعادة النقيب الذي سيوصلها لرئاسة الوزراء لتبدأ خطوة واسعة في طريق مرسوم بدقة والفرصة اليوم أمام الجميع للوصول. 
م. عباس مرتضى النوايسة

 

مواضيع قد تعجبك