تنويه هام: هذه قصة أدبية قصيرة ساخرة من وحي الخيال، تجري أحداثها في عالم خيالي لا وجود له في الواقع. جميع الشخصيات والأماكن والأحداث الواردة فيها مختلقة بالكامل، ولا تمثل أو تشير إلى أي حكومة أو مؤسسة أو شخص حقيقي، ولا تستند إلى أي وقائع واقعية. وأي تشابه قد يراه القارئ هو محض مصادفة أو تأويل شخصي لا يقصده الكاتب إطلاقا.
تقول الأسطورة إن الشيطان عقد اجتماعا طارئا مع مجلس إدارته بعد أن لاحظ تراجعا حادا في سمعته. قال وهو يقلب ملفات الشكاوى:
"منذ آلاف السنين وأنا أتحمل مسؤولية كل شيء. كلما ارتفعت الأسعار قالوا: الشيطان. وكلما زادت الديون قالوا: الشيطان. وكلما تعطلت المشاريع قالوا: الشيطان. لقد طفح الكيل... لا بد من معرفة من ينافسني في السوق."
اقترح أحد الشياطين تأسيس "نادي الشيطان الدولي"، بعضوية حصرية لا تمنح إلا لمن يملك قدرة استثنائية على إقناع أتباعه بأن المشكلة ليست مشكلة، وأن الأزمة في الحقيقة فرصة تاريخية لا يفهمها إلا أصحاب الرؤية البعيدة.
وفي اليوم التالي بدأت طلبات العضوية تتدفق من كل مكان.
لكن أكثر الملفات إثارة للانتباه كان ملف إحدى الحكومات في العالم الآخر، في بلد لا يشبه أي بلد.
كان الملف سميكا جدا، حتى إن أربعة شياطين احتاجوا إلى حمله. ولم يحتو على إنجازات بقدر ما احتوى على لجان، واستراتيجيات، ورؤى، وخطط، وتقارير، وتقارير عن التقارير، وخطة لتقييم خطة الإصلاح التي سبقتها خطة لإعداد خطة الإصلاح.
قال الشيطان وهو يتصفح الملف:
"واضح أنهم يحبون الورق والثرثرة أكثر من الواقع."
دخل ممثل الحكومة بثقة وقال:
"نحن لا ننكر وجود بعض التحديات."
سأله الشيطان:
"مثل ماذا؟"
أجاب:
"الفقر... لكنه ليس فقرا، بل انخفاض مؤقت في مستوى الرفاه."
"والبطالة؟"
"إجازة مفتوحة للشباب حتى تتحسن الظروف."
"والمديونية؟"
"ثقة عالمية كبيرة بقدرتنا على الاقتراض."
"والضرائب؟"
"مساهمة وطنية في تعزيز الصبر."
ابتسم الشيطان وقال:
"ممتاز... وماذا عن الإصلاح؟"
أخرج المسؤول ملفا جديدا وقال:
"هذا تقرير عن خطة إعداد اللجنة التي ستضع الإطار المرجعي للخطة الوطنية للإصلاح الشامل."
سأل الشيطان:
"وهل بدأ الإصلاح؟"
قال المسؤول:
"لا... لكننا قطعنا شوطا كبيرا في الحديث عنه."
ضحك الشيطان حتى كاد يسقط عن كرسيه.
ثم جاء بند مكافحة الفساد.
قال المسؤول بثقة:
"نحن نحارب الفساد بكل قوة."
سأله الشيطان:
"إذن لماذا لا ينتهي؟"
أجاب:
"لأننا لا نريد أن تنتهي الحرب، حتى لا يفقد جنودنا وظائفهم."
صفق أحد الشياطين إعجابا بالفكرة.
أما المواطن، فقد كان يقف خارج القاعة ينتظر النتائج.
كلما سأل عن فرصة عمل، حصل على وعد.
وكلما سأل عن تحسين الخدمات، حصل على لجنة.
وكلما سأل عن انخفاض الأسعار، حصل على تصريح يؤكد أن الأوضاع تحت السيطرة.
وكلما سأل عن المستقبل، حصل على شعار جديد.
حتى أصبحت الشعارات أكثر عددا من الوظائف، والخطط أكثر من المصانع، والوعود أسرع نموا من الاقتصاد.
قال أحد الشياطين:
"لكن الوطن يملك موارد كثيرة، أليس كذلك؟"
رد المسؤول:
"بالتأكيد."
"وأين تذهب؟"
قال:
"هذا سؤال يحتاج إلى لجنة."
وساد الصمت.
بعد ساعات من النقاش، وقف الشيطان وأعلن القرار النهائي:
"بعد مراجعة الطلب... نعتذر عن قبول عضويتكم."
تفاجأ الجميع.
سأل المسؤول:
"ولماذا؟"
قال الشيطان وهو يجمع أوراقه:
"نحن في نادي الشيطان نغوي خصومنا، لكننا لا نعقد مؤتمرات صحفية بعد كل إغواء، ولا نشكل لجنة لدراسة أسباب التفاحة، ولا نصف كل أزمة بأنها إنجاز، ولا نطلب من الضحية أن تشكرنا على الألم."
ثم أضاف مبتسما:
"لدينا سمعة نحافظ عليها."
خرج المسؤول وهو يؤكد للصحفيين أن قرار الرفض يمثل نجاحا كبيرا، وأن الحكومة لم تكن أصلا تنوي الانضمام، وأن تشكيل لجنة لدراسة أسباب الرفض سيبدأ الأسبوع المقبل، يليه مؤتمر بعنوان:
"كيف نحول الرفض إلى إنجاز وطني."
وفي اليوم التالي امتلأت الصحف الخيالية بالعناوين:
"نجاح تاريخي."
"إنجاز غير مسبوق."
"خطة جديدة للبناء على نتائج النجاح."
أما الشيطان، فقد أغلق باب النادي، ونظر إلى مساعديه وقال:
"ارتاحوا قليلا... يبدو أن بعض منافسينا أصبحوا يبدعون في تبرير الأخطاء أكثر مما نجيد نحن ارتكابها."
وربما كانت تلك أول مرة يشعر فيها الشيطان أن سمعته القديمة أصبحت مهددة، وتستحق بعض الاعتذار.



