خبرني - لم تكن يومًا الرابطة بين القانون والأخلاق محلَّ اتفاقٍ، بل كانت وما زالت من أكثر القضايا إثارةً للجدل عند الباحثون في العلوم الاجتماعية والقانونية. وانقسمت الآراء بين مؤيِّدٍ لضرورة التشريع على أساس الأخلاق، وبين معارضٍ يرى أن القانون مستقل عن الأخلاق، ويكفي فيه أن يصدر عن السلطة المختصة عبر القنوات الدستورية
وعليه، وعند الإمعان في أقوال وأفعال بعض أفراد هذا المجتمع، من أرفع المناصب وحتى أدناها، نجد أنها ليست بالضرورة بسبب غياب القانون الذي يعاقب عليها، بقدر ما هي نتيجة غياب الأخلاق والقيم. فبالرغم من كثرة القوانين التي ترتّب عقوباتٍ مختلفة، من الغرامة حتى العقوبة الأشد، إلا أن ارتكاب الجرائم (مخالفة، جنحة، جناية) التي تشكّل تجاوزاتٍ على هذه النصوص لا يمكن اعتباره حالةً فرديةً أو استثناءً على القاعدة. وهذا ربما ما يقودنا إلى أن الرادع الذي يشكله القانون لا يحقق غاياته في غياب الوازع الأخلاقي عند البعض. ولعلَّ في مقولة علي عزّت بيغوفيتش في كتابه «الإسلام بين الشرق والغرب» ما يعبّر عن هذه الفكرة، إذ يقول: «إنَّ كثرة القوانين في مجتمعٍ ما وتشعّبها علامةٌ مؤكدة على وجود شيءٍ فاسدٍ في هذا المجتمع».
وعليه، فإن الأولوية تكون بناء جيلٍ يلتزم بالقانون انطلاقًا من القيم والأخلاق التي ترعرع عليها وصولاً الى السلوك القويم ، وليس من منطلق العقوبة والجزاء فالقانون الذي غايته استقرار النظام في المجتمع ليس كلّه مرتبطًا بشكلٍ مباشرٍ بالأخلاق، فمنه ما وُضع لتنظيم إيقاع حياة الأفراد ويُعدّ قانونًا إجرائيًا وفنيًا، مثل النصوص القانونية التي ترتبط بمواعيد تقديم الطعون لدى المحاكم ومواعيد تقديم الإقرارات الضريبية. ومن هذه القوانين ما هو مرتبط ارتباطًا مباشرًا بالأخلاق، مثل قانون العقوبات والعمل ومكافحة الفساد.
وانطلاقًا مما سبق، إذا تناولنا الجرائم التي اعتبرها القانون جرائم فساد (إداري، مالي) باعتبارها موضوع الساعة وأكثرها حضورًا بين الأوساط الشعبية، نجد أن المشرّع كان حاضرًا عندما فرض عقوباتٍ تترتّب على مرتكبي الجرائم المصنّفة فسادًا. إلا أن الواقع أثبت أن شدة العقوبة لم تكن سببًا كافيًا لإيقاف انتشار هذا النوع من الجرائم في ظل تآكل منظومة القيم والضمير؛ إذ إن من لا يملك رادعاً اخلاقيا و داخلياً قد لا تمنعه العقوبات وحدها من ارتكاب الأفعال التي يجرمها القانون، ويكون الباعث خوفًا من العقوبة ومن المجتمع، وليس احترامًا لآدميته.
واذا كان ذلك ينطبق على جميع افراد المجتمع فإنه يكتسب اهمية مضاعفة بالنسبه لكلَّ من يتقاضى راتبًا من موازنة الدولة؛ اذ يقع عليه عبءٌ مضاعف في الالتزام الأخلاقي والمهني ضمن إطار النزاهة والشفافية وليس فقط عدم القيام بالافعال التي يجرمها القانون، لاسيما وأنه عنصرٌ أساسي في تعزيز ثقة المواطن بمؤسسات الدولة، وليس مجرد موظفٍ يقدم خدماتٍ للمواطن. ولهذا يجب عليه الابتعاد عن كل ما من شأنه إثارة الشبهات وبثّ الريبة حول سلوكه وقراراته، بما يحفظ هيبة الوظيفة العامة ويعزّز الثقة بها.
وخلاصة القول، يتضح أن العلاقة بين القانون والأخلاق ليست علاقة فصلٍ تام ولا تطابقٍ كامل، بل هي علاقة تكاملٍ وتداخلٍ تؤثر في فاعلية كلٍّ منهما. فالقانون، مهما بلغت دقته وشموله، يظل بحاجة إلى سندٍ أخلاقي يضمن احترامه طوعًا قبل فرضه كرهًا، بينما تظل الأخلاق بحاجة إلى إطار قانوني ينظمها ويمنع انحرافها عن تحقيق المصلحة العامة. ومن ثمّ فإن بناء مجتمعٍ سليم لا يقوم على تضخيم النصوص القانونية وحدها، وإنما على ترسيخ منظومة قيمٍ راسخة تجعل من الالتزام بالقانون سلوكًا نابعًا من القناعة والضمير قبل أن يكون استجابةً للعقوب.



