شرع الله سبحانه وتعالى الزواج ليكون ميثاقاً غليظاً يقوم على المودة والرحمة والسكن والاستقرار، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، إلا أن استمرار الحياة الزوجية قد يصبح متعذراً في بعض الأحيان نتيجة الخلافات والنزاعات التي تحول دون تحقيق مقاصد الزواج، الأمر الذي جعل الشريعة الإسلامية تبيح الطلاق باعتباره وسيلة استثنائية لإنهاء العلاقة الزوجية عند استحالة استمرارها.
غير أن إباحة الطلاق لا تعني إطلاق يد الزوج في استعماله كيفما شاء، وإنما قيدته الشريعة الإسلامية بضوابط أخلاقية وشرعية تمنع التعسف في استعماله، تحقيقاً للعدل وصيانةً لحقوق الزوجين، فإذا استعمل الزوج حقه في الطلاق بقصد الإضرار بزوجته أو دون سبب مشروع، فإن ذلك يعد خروجاً عن مقاصد الشريعة وإساءة لاستعمال الحق، وهو ما اصطلح الفقه والقانون على تسميته بالطلاق التعسفي، الذي يترتب عليه في كثير من الحالات أضرار مادية ومعنوية تستوجب التعويض متى توافرت شروطه.
ويقصد بالطلاق في اللغة التخلية والإرسال وحل القيد، أما في الاصطلاح الشرعي فقد عرفه فقهاء المذاهب بأنه رفع قيد النكاح وإنهاء الرابطة الزوجية بلفظ مخصوص وفق الأحكام الشرعية، أما التعسف في اللغة فهو الظلم والأخذ بغير الطريق المستقيم، وفي الاصطلاح هو استعمال الحق على وجه يخالف الغاية التي شرع من أجلها، وانطلاقاً من ذلك يمكن تعريف الطلاق التعسفي بأنه استعمال الزوج لحقه في إنهاء الرابطة الزوجية دون مبرر مشروع أو بقصد الإضرار بالزوجة، بما يترتب عليه ضرر مادي أو معنوي يستوجب الحماية الشرعية والقانونية.
وقد استندت مشروعية الطلاق إلى نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية وإجماع الفقهاء، فمن القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، وهي آية تدل على أن الطلاق مشروع، إلا أن ممارسته يجب أن تكون وفق الضوابط التي تحفظ حقوق الزوجين وتمنع الظلم والإضرار، كما أن الآيات الكريمة تضمنت أحكاماً دقيقة تتعلق بالعدة وعدم إخراج المطلقة من بيتها، وهو ما يؤكد أن الشريعة لم تبح الطلاق إلا ضمن إطار يحقق العدالة ويصون الكرامة الإنسانية.
كما جاءت السنة النبوية لتقرر أصل مشروعية الطلاق، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «ما أحل الله شيئاً أبغض إليه من الطلاق»، وما ورد في قصة ابنة الجون عندما خيرها النبي صلى الله عليه وسلم بالرجوع إلى أهلها. وقد انعقد كذلك إجماع فقهاء الأمة على مشروعية الطلاق من حيث الأصل، مع اختلافهم في بعض فروعه وأحكامه، دون خلاف في أن استعماله يجب أن يكون منضبطاً بأحكام الشريعة ومقاصدها.
وإذا كان الطلاق مشروعاً في أصله، فإن التعويض عن الطلاق التعسفي يجد أساسه في القواعد العامة للشريعة الإسلامية التي تقوم على منع الضرر وجبره، فقد قرر الإسلام قاعدة عظيمة تعد من أصول الفقه الإسلامي، وهي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»، وهي قاعدة تقتضي منع الإضرار بالغير وإزالة الضرر بعد وقوعه، كما تعد أساساً شرعياً لضمان الأضرار الناشئة عن التعسف في استعمال الحقوق.
ويعد التعويض في الفقه الإسلامي من تطبيقات نظام الضمان، إذ يقصد به جبر الضرر الواقع على المضرور بإلزام المتسبب فيه بأداء مثل التالف أو قيمته أو ما يحقق إزالة الضرر بقدر الإمكان، وقد عرفه الفقهاء المعاصرون بأنه تغطية الضرر الواقع بسبب التعدي أو الخطأ، أو المال الذي يحكم به للمضرور جبراً لما أصابه من خسارة.
وقد دلت نصوص القرآن الكريم على مشروعية التعويض وجبر الضرر، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾، حيث استنبط عدد من المفسرين منها مشروعية التعويض المالي وتحقيق المماثلة في جبر الضرر، بما يحقق العدالة ويمنع الاعتداء على حقوق الآخرين، كما جاءت السنة النبوية مؤكدة لهذا الأصل، ومن ذلك حديث السيدة عائشة رضي الله عنها في كسر الإناء، حيث قضى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «إناء كإناء وطعام كطعام»، وهو دليل واضح على ضمان الضرر المالي والتعويض عنه.
ومن خلال هذه الأدلة يتبين أن التعويض ليس غريباً عن الفقه الإسلامي، وإنما هو مبدأ أصيل يقوم على تحقيق العدالة ورد الحقوق إلى أصحابها، ومن ثم، فإن التعويض عن الطلاق التعسفي يعد تطبيقاً عملياً لهذا الأصل، متى ثبت أن الزوج استعمل حقه في الطلاق على نحو ينطوي على التعسف والإضرار بزوجته، وأدى ذلك إلى إلحاق ضرر مادي أو معنوي بها.
وقد أخذت التشريعات الحديثة، ومنها التشريع الأردني، بهذا الاتجاه، إذ نظمت أحكام التعويض عن الطلاق التعسفي، ومنحت القضاء سلطة تقدير مدى تحقق التعسف والضرر واستحقاق التعويض، بما يحقق التوازن بين حق الزوج في الطلاق وحق الزوجة في الحماية من التعسف والإضرار، وهو ما يعكس انسجام التشريع مع المبادئ العامة للشريعة الإسلامية التي تقرر أن الحقوق لا تمارس إلا في حدود مقاصدها المشروعة، وأن كل ضرر يجب أن يزال ويجبر بالتعويض المناسب.
وفي النهاية يتضح مما سبق أن الشريعة الإسلامية وإن أقرت الطلاق باعتباره حقاً مشروعاً ووسيلة لإنهاء الحياة الزوجية عند تعذر استمرارها، إلا أنها لم تجعله حقاً مطلقاً يخضع لأهواء الزوج، بل أحاطته بضوابط شرعية وأخلاقية تمنع التعسف والإضرار، كما أن قواعد الشريعة العامة، وفي مقدمتها قاعدة «لا ضرر ولا ضرار»، أرست أساساً متيناً للتعويض عن الضرر الناشئ عن إساءة استعمال الحق، بما في ذلك الطلاق التعسفي، وقد سايرت التشريعات الحديثة هذا الاتجاه، فأقرت حق الزوجة في المطالبة بالتعويض متى ثبت وقوع التعسف والضرر، تحقيقاً للعدالة، وحمايةً للأسرة، وصوناً للحقوق، وتجسيداً لمقاصد الشريعة الإسلامية في رفع الظلم وجبر الضرر.
المحامي موسى جودت الضروس



