*
الجمعة: 03 تموز 2026
  • 03 تموز 2026
  • 19:44
القمح بين الحقيقة العلمية والدعاية التسويقية
الكاتب: سمير سليمان

خبرني - قبل سنوات عملت باكبر مطاحن القمح لإنتاج الطحين ولدي بعض المعلومات عن آلية العمل أضعها بين ايديكم 

                .                                           بالسنوات الأخيرة، ازداد اهتمام المستهلك بالبحث عن الأغذية الطبيعية، وفي مقدمتها القمح ومنتجاته، مدفوعًا بالرغبة في تبني أنماط غذائية أكثر صحة. إلا أن هذا الاهتمام رافقه انتشار واسع لمعلومات غير دقيقة، وخلط بين مفاهيم علمية مختلفة، حتى أصبح المستهلك يجد نفسه أمام سيل من الادعاءات التسويقية التي يصعب التمييز فيها بين الحقيقة والدعاية.

ومن أبرز القضايا التي يكثر حولها الجدل، المقارنة بين القمح البلدي والقمح المستورد، أو بين الأصناف التقليدية والأصناف المحسنة، وغالبًا ما تُطرح هذه القضايا بعيدًا عن الأسس العلمية، بما يخلق انطباعات قد لا تعكس الواقع.

فمعظم القمح المزروع في الأردن ينتمي إلى القمح القاسي، الذي يتميز بارتفاع نسبة البروتين وصلابة الحبوب، ولذلك يُعد من أفضل أنواع القمح لإنتاج السميد والبرغل والمعكرونة. أما إنتاج الخبز فيتطلب خصائص عجينية مختلفة، يوفرها القمح الطري بدرجة أكبر، إذ يمنح العجين مرونة أعلى وقابلية أفضل للتمدد، وهو ما ينعكس على حجم الرغيف وقوامه.

ولهذا السبب، تعتمد المطاحن في الأردن، كما هو الحال في معظم دول العالم، على خلط أنواع مختلفة من القمح بنسب مدروسة للوصول إلى المواصفات المطلوبة لإنتاج الخبز. وهذه ممارسة فنية وصناعية متعارف عليها عالميًا، و تهدف إلى تحقيق أفضل مواصفات ممكنة للمنتج النهائي.

ومن المسائل التي يكثر تداولها أيضًا قصر مدة حفظ الطحين الكامل مقارنة بالطحين الأبيض. والحقيقة أن السبب يعود إلى احتفاظ الطحين الكامل بجنين الحبة، وهو الجزء الأكثر قيمة من الناحية الغذائية، إذ يحتوي على زيوت طبيعية غنية بالأحماض الدهنية غير المشبعة، إضافة إلى فيتامين (هـ) ومجموعة فيتامينات (ب) والعديد من مضادات الأكسدة. إلا أن هذه الزيوت تكون أكثر عرضة للأكسدة مع مرور الوقت، مما يجعل الطحين الكامل أقل قدرة على التخزين لفترات طويلة، وهي سمة ترتبط بقيمته الغذائية العالية أكثر مما ترتبط بأي نقص في الجودة.

ولأهمية جنين القمح الغذائية، تقوم المطاحن عند إنتاج الطحين الأبيض بفصله للمحافظة على جودة الدقيق وإطالة مدة صلاحيته، ثم يُعبأ ويُطرح في الأسواق كمنتج غذائي مستقل، ويدخل في العديد من الصناعات الغذائية والمكملات الغذائية، ويُعد من المنتجات مرتفعة القيمة نظرًا لغناه بالعناصر الغذائية.

وفي المقابل، ظهرت في الآونة الأخيرة حملات تسويقية تعتمد على الخلط بين الأصناف النباتية المحسنة والأصناف المعدلة وراثيًا، بما يوحي للمستهلك بأن كل صنف محسن هو صنف معدل وراثيًا، وهو ادعاء لا يستند إلى أي أساس علمي.

فالأصناف المحسنة هي نتاج برامج التربية النباتية التقليدية، التي تعتمد على الانتخاب والتهجين عبر أجيال متعاقبة لاختيار أفضل الصفات الوراثية، بهدف زيادة الإنتاجية، وتحسين الجودة، وتعزيز مقاومة الأمراض والآفات والظروف البيئية المختلفة. أما التعديل الوراثي فهو تقنية حيوية مختلفة تمامًا تعتمد على إدخال أو تعديل المادة الوراثية بوسائل مخبرية، ولا يجوز علميًا الخلط بين المفهومين.

ولا تُزرع في الأردن أصناف قمح معدلة وراثيًا ، كما تخضع الأغذية المستوردة للتشريعات والرقابة التي تنظم تداولها. ولذلك، فإن استخدام مصطلح "القمح المعدل وراثيًا" لإثارة مخاوف المستهلك أو الترويج لمنتجات معينة دون دليل علمي واضح، لا يخدم المعرفة، بل يرسخ مفاهيم مغلوطة ويحول المعلومة العلمية إلى أداة تسويقية.

إن دعم القمح الوطني وتعزيز ثقة المستهلك بالمنتج المحلي لا يكون بإطلاق الشعارات أو تخويف الناس، وإنما بتقديم معلومات دقيقة وموثقة، واحترام العقل العلمي، وتمكين المستهلك من اتخاذ قراره على أساس المعرفة لا الانطباعات.

كما أن حماية المستهلك مسؤولية مشتركة، تبدأ بالالتزام بالأمانة العلمية في الطرح، وتمر بتفعيل دور الجهات الرقابية في متابعة الادعاءات التسويقية، وتنتهي ببناء ثقافة غذائية تقوم على الحقائق لا على الشائعات.

وفي النهاية، يبقى العلم هو المرجعية الأولى في تقييم جودة الغذاء وسلامته. أما الدعاية، مهما بدت مقنعة، فلا يمكن أن تحل محل الحقائق. وعندما يتعلق الأمر بالأمن الغذائي وصحة الإنسان، فإن المسؤولية تقتضي أن تكون المعلومة الدقيقة هي الأساس، لأنها وحدها القادرة على بناء الثقة، وحماية المستهلك، ودعم قطاع زراعي وطني يقوم على المعرفة والابتكار.

* سمير سليمان * رئيس جمعية البحوث والاستشارات الزراعية التعاونية *

مواضيع قد تعجبك