*
الخميس: 02 تموز 2026
  • 02 تموز 2026
  • 12:54
وزراء المظلات عندما تهبط المناصب من السماء
الكاتب: الدكتور زيد احمد المحيسن

يقال إن الطيور وحدها تجيد الهبوط من السماء، لكن يبدو أن عالم السياسة والإدارة العامة اكتشف نوعًا آخر من الهبوط؛ هبوطًا لا يحتاج إلى جناحين، بل إلى مظلة من العلاقات والنفوذ. وما إن تلامس قدما صاحبها الأرض حتى يجد نفسه على رأس مؤسسة عامة، قبل أن يعرف تاريخها، أو يقرأ قوانينها، أو يدرك طبيعة الرسالة التي أنشئت من أجلها.
الإدارة العامة ليست وظيفة عابرة، ولا منصبًا بروتوكوليًا، بل علم له أصوله، ومهنة لها تقاليدها، ومؤسسات تتراكم فيها الخبرات جيلاً بعد جيل. ومن يتولى قيادة مؤسسة عامة لا يكفي أن يحمل شهادة مرموقة أو أن ينجح في إدارة مشروع خاص، بل ينبغي أن يكون مدركًا لفلسفة الدولة، عارفًا بتشريعاتها، متمرسًا في آليات العمل المؤسسي، ومؤمنًا بأن المنصب العام تكليف قبل أن يكون تشريفًا.
غير أن ظاهرة "الهابطين بالمظلات" قلبت هذه المعادلة رأسًا على عقب. فبدل أن يكون المنصب ثمرة سنوات من الخبرة والتدرج الوظيفي، أصبح في بعض الأحيان محطة يصل إليها أشخاص لم يسبق لهم أن خاضوا غمار الإدارة العامة، ولم يختبروا تعقيداتها، ولم يعيشوا تفاصيلها اليومية. يدخل أحدهم الوزارة كما يدخل سائح مدينة يزورها للمرة الأولى؛ يسأل عن المديريات، ويستفسر عن اختصاصاتها، ويبحث عمن يشرح له ما الذي تقوم به المؤسسة التي أصبح مسؤولًا عنها.
وما يثير الدهشة أن هذا القادم الجديد يمتلك ثقة لا تحدها حدود. يتحدث في كل شأن، ويصدر الأحكام في كل ملف، وكأنه اكتشف الإدارة العامة صباح اليوم، وأن عشرات السنين من الخبرة المؤسسية لم تكن سوى هوامش لا تستحق الالتفات إليها. وفي أول اجتماع يبدأ مهرجان المصطلحات اللامعة: الحوكمة، والتحول، والتمكين، والاستدامة، والرؤية، والابتكار، حتى يخيل للحاضرين أن زخرفة اللغة يمكن أن تعوض فقر المعرفة، وأن البلاغة الإدارية بديل عن الخبرة العملية.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تظلم الأفراد فحسب، بل تضعف المؤسسات نفسها. فعندما يُتجاوز أصحاب الخبرة والتدرج الوظيفي والكفاءة لصالح تعيينات تستند إلى العلاقات أو النفوذ أو الانطباعات، تتراجع الروح المعنوية، ويترسخ الشعور بأن الاجتهاد لم يعد طريقًا إلى التقدم، وأن الإنجاز أقل قيمة من شبكة العلاقات. وعندئذ تخسر الدولة أهم أصولها: الثقة بعدالة مؤسساتها.
وليس المقصود رفض الاستعانة بالكفاءات من خارج المؤسسات، فالتجديد سنة من سنن الإدارة الرشيدة، لكنه لا يكون على حساب المعرفة المؤسسية، ولا بإقصاء أهل الاختصاص، ولا بتحويل الوزارات إلى مختبرات يتعلم فيها المسؤول أبجديات العمل بعد أن يتولى القيادة. فالإدارة العامة ليست ساحة للتجريب، لأن كلفة الخطأ فيها لا تتحملها المؤسسة وحدها، بل يدفع ثمنها المجتمع بأسره.
وزير المظلة يتحدث عن المحافظات أكثر مما زارها، وعن المجتمع أكثر مما خالطه، وعن احتياجات المواطنين أكثر مما استمع إليهم. وقد لا يعرف من جغرافية وطنه إلا عناوين رسمية، لكنه يرسم الخطط، ويعيد هيكلة المؤسسات، ويصدر القرارات بثقة الواثق، بينما يقف أصحاب الخبرة في الصفوف الخلفية يراقبون المشهد بصمت، بعدما أصبحت سنوات خدمتهم أقل وزنًا من مظلة هبطت في الوقت المناسب.
الدول لا تُدار بالمفاجآت، ولا تنهض بالمجاملات، ولا تُبنى بالشعارات الرنانة. إنها تُبنى برجال ونساء يحملون ذاكرة مؤسسية، وخبرة متراكمة، ومعرفة دقيقة بالمجتمع والدولة، وإيمانًا بأن المنصب مسؤولية أخلاقية ووطنية قبل أن يكون وجاهة أو لقبًا.
أما وزراء المظلات، فغالبًا ما يهبطون بسرعة، ويتحدثون كثيرًا، ويرحلون قبل أن يحفظوا تضاريس المؤسسة التي قادوها، تاركين وراءهم ملفات مؤجلة، وخططًا غير مكتملة، وكلمات براقة لم تجد طريقها إلى التنفيذ.
إن الوظيفة العامة ليست منصة استعراض، ولا جائزة ترضية، ولا مكافأة للعلاقات الشخصية، وإنما هي أمانة ثقيلة لا يحملها إلا من جمع بين العلم والخبرة والنزاهة والإحساس العميق بقضايا وطنه. وعندما يصبح معيار الاختيار هو الكفاءة والجدارة والتدرج المهني، لا الواسطة ولا المظلة، عندها فقط لن تهبط على مؤسسات الدولة مظلات جديدة، بل ستنهض فيها الثقة، ويستقيم فيها ميزان العدالة، وتستعيد الإدارة العامة رسالتها بوصفها خادمة للمصلحة العامة، لا ساحةً للصدف والمحسوبيات.
 

مواضيع قد تعجبك