*
الثلاثاء: 30 حزيران 2026
  • 30 حزيران 2026
  • 16:15
الكرة الأردنية من الفزعة إلى الاستدامة
الكاتب: د. حسام باسم حداد

لم تكن مشاركة المنتخب الأردني في كأس العالم 2026 مجرد إنجاز رياضي يضاف إلى سجل الكرة الأردنية، بل شكلت محطة وطنية فارقة أكدت أن الطموح الأردني قادر على الوصول إلى أكبر المحافل الكروية في العالم. ورغم اختلاف الآراء حول بعض الجوانب الفنية، بقيت الحقيقة التي أجمع عليها الأردنيون واضحة؛ فالمنتخب قدم صورة مشرّفة للأردن، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة ينبغي أن تُبنى على التخطيط لا على ردود الأفعال. وقد تجسد هذا المعنى في الدعم الملكي المتواصل، حيث حرص جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين المعظم وولي العهد سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني على مؤازرة المنتخب، حيث وجّه جلالة الملك رسائل تحفيزية للاعبين قبل المنافسات هذا وأشاد بالأداء بعد انتهاء المشاركة، مؤكداً أن المنتخب الأردني قدم وجهاً كريماً للأردن وأسس لنجاحات قادمة.

لقد كانت مشاركة الأردن في كأس العالم استثماراً رياضياً بحد ذاته، إذ وفّرت فرصة لا تُقدَّر بثمن لتقييم المستوى الحقيقي للكرة الأردنية وفق أعلى معايير المنافسة الدولية والوقوف على نقاط القوة التي يمكن البناء عليها والجوانب التي تحتاج إلى مزيد من التطوير. فالدول التي تتطلع إلى الريادة لا تنظر إلى البطولات باعتبارها نهاية الطريق، بل تعتبرها مختبراً عملياً لاختبار قدراتها وصياغة أولوياتها المستقبلية. وهذا يشبه تماماً موظفاً أمضى سنوات في مؤسسة مرموقة، ثم قرر التقدم إلى فرصة مهنية أكثر تقدماً، فهو يخوض المقابلات والاختبارات لا لأنه يشك في كفاءته بل لأنه يريد أن يقيس نفسه وفق أعلى المعايير ويحدد المهارات والمعارف التي يحتاج إلى تطويرها ويتعرف إلى مكانته التنافسية في سوق العمل، ومدى ما تؤهله له خبراته وقدراته من فرص ومسؤوليات أكبر. وكذلك المنتخبات الوطنية، فالمنافسات الكبرى ليست مجرد مباريات بل منصات للتقييم والتعلّم وصناعة القرار.

ومن هنا، فإن التفكير الاقتصادي يجب أن يصبح جزءاً أصيلاً من إدارة الرياضة. فبدلاً من الانشغال بتوجيه أصابع الاتهام إلى المدرب أو اللاعبين أو حارس المرمى أو الاستراتيجية الفنية، يجدر بنا أن نطرح سؤالاً أكثر أهمية: كيف نحول هذه التجربة إلى نقطة انطلاق نحو مستقبل أفضل؟ لقد وفّرت المشاركة في كأس العالم فرصة استثنائية للاحتكاك المباشر بمدارس كروية عالمية من أعلى المستويات، وهو احتكاك لو أردنا الحصول عليه عبر تنظيم مباريات ودية منفصلة مع تلك المنتخبات لتطلب ذلك كلفاً مالية وتنظيمية كبيرة جداً، تشمل تذاكر السفر، واستضافة الفرق ورسوم المشاركات والتجهيزات اللوجستية إضافة إلى برامج سياحية وإعلامية مرافقة. لذلك فإن قيمة المشاركة لا تكمن فقط في المنافسة، بل في كونها تجربة احتكاك عالمية جاهزة وفّرت على الاتحاد والرياضة الأردنية سنوات من الاستثمار للوصول إلى المستوى ذاته. فالاحتكاك المستمر بأفضل المنتخبات يمنح اللاعبين والأجهزة الفنية فرصاً أكبر للتقييم واكتساب الخبرة، ويعزز مكانة الأردن على الخارطة الرياضية الدولية، ويفتح آفاقاً جديدة للاستثمار في صناعة الرياضة.

كما أسهمت هذه المشاركة في تعزيز القيمة السوقية لعدد من اللاعبين الذين لفتوا أنظار أندية ومدربين على الصعيد الدولي، بوصفهم جزءاً من رأس المال البشري في الرياضة الحديثة، الأمر الذي فتح أمامهم آفاقاً أوسع للاحتراف الخارجي، بما ينعكس إيجاباً على مستوى الكرة الأردنية. كما امتدت آثار هذه التجربة إلى أبعاد اقتصادية أوسع، في مقدمتها تنشيط السياحة الرياضية من خلال تعزيز الحضور الإعلامي والجماهيري للأردن، وزيادة جاذبيته لاستضافة الفعاليات والمباريات الدولية، إلى جانب تحفيز الاستثمار في البنية التحتية الرياضية من ملاعب ومراكز تدريب وفق معايير عالمية، بما يعزز القدرة على التحول من مجرد المشاركة إلى صناعة حدث رياضي مستدام.

ويبقى الاستثمار الحقيقي في الشباب، فهم الثروة التي تُبنى عليها الإنجازات الرياضية لعقود طويلة. فلا يمكن الحديث عن مشروع رياضي مستدام ما لم تنتقل الرياضة من ثقافة الهواية إلى منظومة الاحتراف، عبر اكتشاف المواهب في سن مبكرة وتأهيل المدربين وتطوير الأكاديميات والبنية التحتية وربط الرياضة بالتعليم والتكنولوجيا والاقتصاد. فالرياضة ليست مجرد منافسة على البطولات، بل هي استثمار في الإنسان وأداة لبناء الشخصية وترسيخ قيم الانضباط والعمل الجماعي والانتماء، واستثمار طاقات الشباب فيما يعود بالنفع على الفرد والمجتمع. وكل دينار يُستثمر في الرياضة هو في حقيقته استثمار في رأس المال البشري، يسهم في توفير بيئة إيجابية للشباب، ويحد من مخاطر الانجراف نحو آفات اجتماعية كالمخدرات والعنف والانحراف والتطرف والجريمة، ويعزز مجتمعاً أكثر تماسكاً وإنتاجية.

ومن هنا، تبرز أهمية تفعيل المسؤولية الاجتماعية للشركات، بحيث تتحول من مبادرات موسمية إلى شراكات استراتيجية مستدامة، من خلال تخصيص جزء من أرباحها لدعم المنتخبات الوطنية والأندية والرياضات الفردية، وتمويل برامج اكتشاف المواهب، وتأهيل المدربين، وتطوير البنية التحتية الرياضية، مع توفير حوافز تشريعية وضريبية تشجع القطاع الخاص على الإسهام في صناعة الإنجاز الرياضي. فالرياضة لم تعد عبئاً على الموازنات، بل أصبحت صناعة عالمية تدر عوائد اقتصادية وتسهم في تنشيط السياحة، وخلق فرص العمل، وتعزيز الصورة الحضارية للدول.

ويبقى التحدي الحقيقي في الانتقال من ثقافة الفزعة إلى ثقافة الاستدامة. فالتعامل مع الإنجازات الرياضية بردود أفعال آنية أو حلول مؤقتة أو تعبئة جماهيرية لحظية لا يصنع مشروعاً رياضياً قادراً على الاستمرار. إن الفزعة قد تنتج لحظة حماس، لكنها لا تبني منظومة، بينما الاستدامة تقوم على التخطيط، والمؤسسية، والاستثمار طويل الأمد في الإنسان والبنية التحتية والمعرفة. ومن هنا يصبح الهدف ليس فقط الاحتفاء بما تحقق، بل تحويله إلى نظام عمل دائم يضمن تكرار الإنجاز وتطويره، لا الاكتفاء به كاستثناء عابر. لقد أثبتت تجربة المنتخب الأردني أن الموهبة والإرادة والطموح متوافرة، وأن ما تحقق لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة عمل وتراكم وخبرة. ويبقى التحدي الحقيقي في الانتقال من ثقافة الاحتفاء بالإنجاز إلى ثقافة الاستثمار فيه، ومن معالجة النتائج إلى صناعة الأسباب، ومن ردود الأفعال إلى التخطيط طويل الأمد. برأيي، فالأمم التي تتصدر المشهد الرياضي اليوم هي التي استثمرت بالأمس في الإنسان وفي الموهبة وفي الاحتراف، وفي البنية التحتية، وجعلت من الرياضة مشروعاً وطنياً متكاملاً. وإذا أردنا أن يصبح حضور الأردن في كبرى البطولات قاعدة لا استثناء، فإن الاستثمار المستدام في الرياضة لم يعد خياراً بل ضرورة وطنية واقتصادية واجتماعية تفرضها متطلبات المستقبل.

[email protected]

مواضيع قد تعجبك